#dfp #adsense

مسيحيون مقاومون.. قوة الموارنة وضعفهم ـ 2

حجم الخط

قراءة الأزمنة وتبيّن معناها على ضوء الإيمان، هي خصائص الأنبياء. هذه النعمة حباها الله لنا، حتى أصبحنا، كشعب ماروني بمثابة نبيّ الشرق. فهل كنا دومًا نُحسن تفسير الأزمنة؟ عندما كنا نُحسن هذه القراءة، عبر تاريخنا، كانت الحرّيّة عندنا القربان الأسمى، نتغذّى منها ونُغذّي من هم بحاجة إليها، أمّا عندما كنا نجهل القراءة كانت النتيجة عارنا الأدهى، ننكفئ فيها ونقتات من فُتات من يتصدّق علينا، وهو ليس بحاجة إلينا. وإذا أمعنّا النظر في تاريخنا، فإنّنا نستشفّ وجود جدليّة بين حُسن القراءة وجهلها.

وحُسن القراءة كان دومًا حصّة الشعب الماروني المؤمن، لأنّ قلوب هذا الشعب هي، وما تزال، قلوب من لحم تنبض إيمانًا ورجاءً بالربّ يسوع، وتنتعش فيها الثقة بالذات ونُبْل الحرّيّة. أمّا جهل التفسير كان يُجرّ علينا الكوارث، فكان يصدر، وما يزال، عن بعض قيادات لنا، انزلقت في متاهات الأنانيّة والتبعيّة، من دون أن تقوى قلوب اللحم على تليين قلوب الحجر فيها!

يمكننا القول بأن سرّ وجودنا واستمرارنا في هذه المساحة الشرقيّة من العالم، يعود إلى علاقة جدليّة خفيّة بين حُسن القراءة وجهلها. أمّا كلّما كانت قراءة الشعب وقراءة القادة في توافق وتآلف، كنّا ننعم بالثبات في كياننا، ونُمسك مصيرنا بجرأة وعنفوان، نسكر بحرّيتنا، مهما كانت الأوضاع المحيطة بنا، وتتجلّى صورتنا في أسمى مقامات الوجود أمام أعين أبناء الشرق.

 

فكيف نُحسن اليوم تفسير أزمنتنا الحاضرة؟

ليس من دليلٍ ماديّ لهذه القراءة، إنّما السبيل ينطلق من نبضات قلوب اللحم فينا ويدفعنا إلى أن ننمّي الرغبة في تَنشُّق روحانيّة مارون الناسك، لأن تلك الروحانيّة تستلهم، في عمقها الإيماني صورة الابن الإلهيّ في صفاء حبّه وحريّته النابعين من قلب الثالوث الأقدس. فكما مات الربّ يسوع على الصليب، ثمّ قام منتصرًا على الموت، كذلك وعلى مثال حبّة الحنطة، مات مارون الناسك عن العالم، فقام الرهبان من بعده، وأقاموا كنيسة لا تزال مستمرة لغاية اليوم بقوّة الروح. إنّما روحانيّة الموت والقيامة. وقد اختبرناها عبر تاريخنا الطويل فكنّا نُعلّق على صليب الآلام مرّة أو مرتين وأكثر، في كلّ قرن، ثمّ نقوم بقوة الروح القدس وشفاعة العذراء مريم، وبفعل ثباتنا ومثابرتنا على إيماننا، وتأكيد وحدتنا في إطارنا الكنسي.

 

الخطر الداهم

هل يذهب الموارنة اليوم إلى وليمة الحياة، ينهلون من جسد الربّ، ومن كلمته الحيّة، يستنشقون الحرّيّة الرائدة، فتتهلل نفوسهم، وتبتهج أرواحهم، “فلا يجوعون ولا يعطشون” (رؤ 6: 35)، ولا يندفعون ليملأوا فراغ قلوبهم وعقولهم، بأقوال وأعمال الشياطين من هذا العالم، ولا يسقطون في غياهب المفاهيم النسبيّة القاتلة، فيحابون الوجوه؟

في حُسن قراءة للأزمنة الحاضرة عندنا اليوم، هناك خطر داهم يهدد فكرنا وثقافتنا ومن شأنه أن يشلّ أواصر وجودنا، ليذيب مستقبل أولادنا، ويحوّلهم إلى جواري في أروقة الظلام. على الموارنة أن يدركوا أن الخطر الداهم اليوم، يكمن في هذه الروحيّة النسبيّة التي تقتحم عالم الفكر المعاصر في جامعاتنا ومجتمعاتنا، والتي ينادي بها مَن يدّعون زورًا العلم والمعرفة. ينادي أعوان النسبيّة، وقد استهواها البعض عندنا، بأن الحقيقة مجزأة، وأن لا مطلق فيها، فيشيّعون بأن الركون إلى أي عقيدة إيمانيّة، هو في حدّ ذاته حقّ، لأن العقيدة الأخرى هي أيضًا حقّ، فتصبح عندئذٍ الحرّيّة هباءً، والمحبّة تواطؤًا، ويُمحى الرجاء من القلوب.

هؤلاء المنادون بالنسبيّة أدخلوا روحيتها إلى مواقع الفكر وأُطر المجتمع عندنا، في مواقعنا المارونيّة، يستخدمون تعاويذ الألفاظ المنمّقة، والكلمات المعسولة الفارغة، ليبهروا الناس، إنّما ليس كلّ الناس، “ولا عَجَبَ، فإنَّ الشَّيطانَ نفسَهُ يتَلَبَّسُ بِزيِّ ملاكِ نور” (2 قور 11: 14).

في الختام، أمام الموارنة خمسون سنة من زمن الروح، فإمّا أن يتجدّدوا ويجدّدوا الشرق معهم، وإمّا أن يموتوا، ويبقى الشرق في رقاده. لا لن يموتوا، سينهض الشرق وسيخرج الزيت من أرض لبنان لينتشر في أرجاء الشرق كلّه.

يردد الشعب المارونيّ اليوم، في حنايا قلبه، بجرأة تحمل قوّة الحرّيّة، وعزيمّة تحمل صفاء الإيمان: لن يفصلنا عن محبّة المسيح شيء، لا شدّة، ولا ضيق، ولا اضطهاد، ولا جوع، ولا عري، ولا خطر، ولا سيف، ولا موت، ولا حياة، ولا ملائكة، ولا أصحاب رئاسة، ولا أيّة خليقة (روم 8: 35-39). لقد آن الزمن لنا، والروح يعمل، وقراءتنا هنا تستلهم أنواره، والحرّيّة بدأت تنبت في الشرق هنا وهناك، في ربيع قاسٍ سيحمل ثمارًا، أفلا ننطلق كما الاثني عشر، والربّ يرسلنا ويبقى معنا إلى انقضاء الدهر!

إقرأ أيضًا

مسيحيون مقاومون.. قوة الموارنة وضعفهم ـ 1

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل