45 يوماً من الاختبار
دخلت صياغة مستقبل لبنان مرحلة الحسم الدستوري والميداني التي لا عودة عنها؛ إذ تكشفت الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، عن بلورة مسودة اتفاق تقضي بإعلان هدنة إنسانية وعسكرية مؤقتة مدتها 45 يوماً. لكن مصادر دبلوماسية رفيعة مواكبة لهذه الجولة كشفت أن هذه المهلة “الانتقالية”، التي تمت هندستها برعاية أميركية مباشرة وتنسيق مكثف بين الوفد اللبناني والجانب الأميركي، لا تعني على الإطلاق منح “الحزب الإيراني” طوق نجاة أو تجميداً للعمليات ضد بنيته التحتية.
اللاءات العسكرية وتحييد البنية التحتية
وفق المعطيات الدبلوماسية، لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، فإن الموقف الإسرائيلي المدعوم بالكامل من البيت الأبيض والخارجية الأميركية بقيادة ماركو روبيو، حاسم في أن الهدنة لا تشمل الأنشطة العسكرية والتسليحية لـ”الحزب الإيراني” في لبنان، وأن عمليات تفكيك قدراته وتثبيت “الخط الأصفر” العازل جنوب الليطاني مستمرة بقوة النار. في المقابل، نجح لبنان، عبر الضغط الأميركي الصارم، في انتزاع معادلة حيوية قضت بتحييد العاصمة بيروت بالكامل، والمرافئ العامة، والبنى التحتية الاستراتيجية وفي مقدمتها مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت، وحمايتها من أي استهداف.
سلام يعرّي “أوهام الانتصارات”
هذا الطوق الدبلوماسي تكامل مع إطباق سياسي داخلي غير مسبوق، تولى فيه أركان الدولة تعرية السردية الخشبية للتنظيم الإيراني في لبنان؛ فرئيس الحكومة نواف سلام وجَّه صفعة تهكمية لاذعة لنعيم قاسم و”صحافة الحارة الصفراء”، معلناً بصريح العبارة: “من المعيب واللامسؤول أن يخرج علينا مَن لا يزال يتبجّح بانتصارات وهمية وإنجازات ميدانية فارغة، في وقتٍ ينهش فيه الاحتلال الإسرائيلي لحم أرضنا، ويطال بقضمه وعربدته عشرات القرى والبلدات اللبنانية المنكوبة. كفى متاجرةً بآلام الناس؛ فالانتصار الحقيقي الوحيد هو انتصار الدولة وسيادتها وحماية شعبها، وما دون ذلك هو انتحار مرتهن”.
عون وحصرية القرار الشرعي
هذا الموقف المتفجر تلاقى مع المقررات الحازمة لرئيس الجمهورية جوزيف عون من قصر بعبدا، والذي جدد التأكيد على أن قطار مفاوضات واشنطن انطلق ولن يعود إلى الوراء، جازماً بأن قرار الحرب والسلم والسياسة الخارجية عاد حصرياً وثابتاً للمؤسسات الشرعية والجيش اللبناني، وأن أي فصيل محلي يحاول التعطيل إنما يواجه الإرادة اللبنانية والدولية مجتمعة، محذراً من اللعب بآمال اللبنانيين في الإنقاذ واستعادة مقومات الدولة السيدة.
حزام النار وتثبيت “الخط الأصفر”
ميدانياً، تُرجمت هذه المقصلة السياسية بجحيم ناري غير مسبوق منذ ساعات الصباح الأولى ليوم أمس الأحد؛ حيث شن الطيران الحربي الإسرائيلي ومدفعيته حزام نار استهدف قضاء النبطية، وطال وسط المدينة، وجبشيت، وكفر رمان، وحاروف، وتول، مدمراً مراكز لوجستية وبنى تحتية تابعة للتنظيم المسلح. وتزامن القصف مع إنذارات إخلاء عاجلة أصدرها الجيش الإسرائيلي لسكان قرى في قضاء صور والزهراني، أعقبها دكّ مركّز لأطراف المنصوري ومخيم برج الشمالي، وامتداد الغارات العنيفة للبقاع الغربي في سحمر ومشغرة ومحيط بحيرة القرعون.
الاضطراب والانهيار الوشيك
هذا الضغط الجوي الإسرائيلي الكثيف توازى مع تسريع الجرافات والدبابات الإسرائيلية، وبإشراف رئيس الأركان إيال زامير، عمليات التجريف والتثبيت الهندسي شمال الليطاني وفي مرتفعات زوطر الشرقية لتكريس الحزام العازل. أمام هذا الواقع الحارق، يعيش “الحزب” حالة هستيريا وعزلة مطلقة نتيجة المفاجأة الدبلوماسية؛ فالدولة تمضي بالتفاوض والإنقاذ مدعومة بأكثرية شعبية عارمة سئمت الحروب العبثية، لتقوم جمهورية السيادة والاستقلال على أنقاض حروب المحاور المستوردة.