“لا يحاولن أحد أن يقدم لنا ممثلي هذه السلطة اللبنانية تحت عنوان أنهم الحرصاء على لبنان، ولا أحد أحق في أن يفاوض، من أهل الأرض وأصحاب الحقوق، إلا إذا كان لديه أوراق قوة للتفاوض”.
ما كشفه عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب إيهاب حمادة، عن حقّ حزبه الحصري بالتفاوض مع العدو الإسرائيلي، من دون أي ذكر لمعارضة أو تحريم للشكل المباشر المفترض لـ”مفاوضات الحزب مع عدوّه”، أو أي مقاربة لمبدئية التفاوض بحد ذاته، يعيدنا الى المقولة الشهيرة والتي تستخدم لوصف المرأة (من دون تعميم طبعًا) التي تظهر الرفض أو الممانعة – كالحزب ومحوره – في العلاقات العاطفية، بينما هي في الحقيقة راغبة.
فمع مصادرته لقرار الحرب وممارسته لتلك المصادرة لأكثر من مرّة على حساب حياة اللبنانيين وأمنهم طمأنينتهم واستقرارهم وحياتهم وأملاكهم وأرضهم،كان “الحزب” ذي يد طويلة وباع أطول في المفاوضات والمباحثات وقبول الوساطات من دول العالم، وخصوصًا الغربية وبشكل محدد تحت رعاية الدولة نفسها التي يقول فيها “الحزب” وإيهاب حمادة ما لم يقله مالك بن أنس في هجائه للخمرة…
ما كشفه إيهاب حمادة عن رغبة “الحزب” الحقيقية الحالية بالتفاوض بعد تصنّع وتمنع، تبيّن بأنه يهدف الى نزع هذا الحق من الدولة ومؤسساتها المنوطة حصرًا بالمفاوضات والمعاهدات، تمامًا كحق هذه المؤسسات الحصري بحمل السلاح.
ما عبّر عنه إيهاب حمادة ليس بجديد، بل سبق لـ”الحزب” ولأكثر من مرّة أن ضرب مبدئيته وكشف عدم انسجام أقواله مع حقيقة أفعاله،فقد سبق لـ”الحزب” والمحور الذي انتمى اليه أن استفادا من التفويض “الأميركي ـ الغربي” الذي أُعطي للنظام السوري في لبنان من العام 1990 وحتى العام 2005، مقابل انضمام جيش الأسد لجيوش تحالف “الاستكبار والاستعمار” ضد العراق في العام 1990… وبعد مفاوضات مع المحتل الأميركي شملت مفاوضات مباشرة مع القوى الممانعة والمقاومة الشيعية في إيران والعراق واستلحاقًا لبنان، أدت لاحقًا الى تسهيل سيطرة إيران على العواصم التي تباهت فيها السلطات في إيران… وما يتهم به المفاوض الرسمي اللبناني من تفويض للأميركي والإسرائيلي، نقرأه في شهادة ميشال عون (الذي وصل ببندقية المقاومة) أمام الكونغرس الأميركي في واشنطن في 17 أيلول من العام 2013 بقوله ودعوته: “لقد أدرك الغرب، ومنذ فترة ليست ببعيدة، أن إنقاذ لبنان هو ضرورة حيوية لمسألة الأمن العالمي، ومن الضروري إنقاذ ذلك البلد الذي يقدّر المبادئ الأميركية، والقيم الإنسانية التي نؤمن بها جميعًا. إن إنقاذ لبنان هو إعطاء مصداقية لما أعلنه الرئيس بوش في خطابه في 11 أيلول من العام 2002، وأنقل عنه: “سنستخدم قوتنا وتأثيرنا اللذين لا يوازيهما شيء، لبناء جو من النظام والانفتاح العالمي يمكن أن يزدهر فيه التقدم والحرية في دول كثيرة. إن عالمًا مسالمًا من الحرية المتعاظمة يخدم المصالح الأميركية على المدى الطويل، ويعكس المثل الأميركية ويوحد حلفاء أميركا”.
كما نتوقف هنا عند حرب البوسنة – الهرسك، آذار 1992 ـ تشرين الثاني 1995، حيث خاض الجيش الأميركي حربًا دفاعًا عن المسلمين بوجه روسيا التي دعمت الصرب المسيحيين الأرثوذكس،فعلى الرغم من تأكيد أمين عام “الحزب” الراحل حسن نصرالله في 25 أيار من العام 2013 إن “الحزب” لا يمكن أن يكون في جبهة فيها أميركا وإسرائيل”، عاد وكشف في نفس التاريخ وفي نفس الخطاب أن “الحزب” قاتل في البوسنة والهرسك في السابق من أجل الدفاع عن المسلمين”… وطبعًا لم يكشف نصرالله كما لم يكشف حزبه كيف دخل مسلحوه وفي كنف أي مفاوضات ومباحثات وضمن أي صفقة مع الأميركي قائد “الدفاع عن المسلمين في البوسنة والهرسك”. كما لا يخرج تفاهم 26 نيسان من العام 1996 الاتفاق المكتوب بين لبنان (الحزب) وإسرائيل برعاية وزيري خارجية الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وارن كريستوفر وفيليب دو شاريت… وقد اعتبر “الحزب” هذا التفاهم انتصارًا لـ”الحزب” والمقاومة. وعرفانًا “للتدخل الفرنسي” لمصلحة “الحزب” قال حسن نصرالله في رسالة الى فرنسا نشرتها صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية بتاريخ 9 نيسان من العام 2005، “إن فرنسا البلد الذي نحفظ له نحن الحزب بود كبير، دوره الأساسي في إنجاز تفاهم نيسان، والذي يحفظ له جميع اللبنانيين الصداقة ويتشاطرون معه قيم التسامح والسلام والديمقراطية، مدعو إلى المساهمة في دفع الحوار الوطني والمصالحة الداخلية من موقعه كصديق”.
وفي هذا السياق كشف ميشال عون عن الصفقة ،التي ابرمها “الحزب” مع عدوّه، والتي يحاول الحزب الباس تهمة إبرامها للدولة المناط بها حقًا وحصرًا المفاوضة، فنقرأ في صحيفة النهار في 18 آب من العام 1997 بيانًا له يقول فيه، “إن تفاهم نيسان الذي أقرّ بعد عناقيد الغضب يبيح لإسرائيل حرمة اللبنانيّين. كيف تفاوض المقاومة عدوّها وتقبل بشروطه فتصبح مقاومة بالتراضي، كما أنّها تعطيه أمنًا كاملاً على أراضيه وتجعل من أراضيها جهنّم كاملة”؟
وبالنسبة لاتهام الدولة -السلطة، باللعب بالتوازنات الداخلية خدمة للإملاءات والارادات الخارجية، نتوقف عند ما طرحه “الحزب” في 14 تموز من العام 2007، في مؤتمر سان كلو في فرنسا، من تعديل للدستور بالمثالثة، ليعود الثنائي الشيعي ويحصد التوقيع الثالث (المثالثة المموّهة) بتثبيت وزارة المال للشيعة، في المبادرة الفرنسية في آب من العام 2020.
كذلك انسجاما مع ما قاله إيهاب حمادة وخلافًا لما يدعيه مسؤولوه من مبدئية وثبات موقف في رفض التماهي مع الإرادة الخارجية وخاصة الأميركية، نتوقف عند ما قاله المفاوض الدائم التفويض من “الحزب” الأخ الأكبر نبيه بري بعيد انتخاب ميشال عون في 31 تشرين الأول من العام 2016، ان “انتخاب عون تسوية أميركية ـ إيرانية”… وانسجامًا وتنفيذًا لتلك التسوية والتي نتجت طبعًا بعد “مفاوضات”، كشف عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب نواف الموسوي في 13 شباط من العام 2019، أننا “نفتخر بأن “الحزب” أوصل فخامة الرئيس ميشال عون من خلال بندقية المقاومة”….
كذلك بالنسبة لترسيم الحدود البحرية الذي اعتبره الحزب انتصارًا عظيمًا تحت رعاية آموس هوكستين الأميركي الإسرائيلي، ومع انه “وسيط غير نزيه” وبعد مفاوضات مع “الدولة الاسرائيلية”، أعلن “الحزب” على لسان نصرالله مبررًا في 17 أيلول من العام 2022، إن “هدفنا أن يتمكّن لبنان من استخراج النّفط والغاز، بدنا ناكل عنب”.
انطلاقًا من رغبة “الحزب” التي عبّر عنها إيهاب حمادة، يصبح ما يقوله “الحزب” عن تخوين واتهام وتحليل دم المفاوضين على خطى اللاءات الثلاث التي طرحت في قمة الخرطوم في العام 1967 وسائرة الى نفس مصير شعار “الموت لأمريكا” الذي ما انفك “الحزب” ومحوره يرفعه، وكشف حقيقته كما كشف حمادة حقيقة رفض “الحزب” للمفاوضات،الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني، بقوله في 19 أيلول من العام 2015، “شعار الموت لأميركا الذي يردده الإيرانيون، ما هو إلا شعار وليس إعلان حرب ضد السياسة الأميركية”.
.jpg)
