#dfp #adsense

إلى “الأخبار”: فليسقط لبنانكم كبيرًا كان أم صغيرًا!

حجم الخط

من المثير للسخرية أن تتحول صحيفة ناطقة باسم محور السلاح والهيمنة، إلى مرجع في الوطنية والعيش المشترك. فالمقال المنشور في جريدة “الأخبار” لا يناقش أفكار وزير الخارجية يوسف رجي بقدر ما يقدّم محاكمة أيديولوجية لكل من يجرؤ على الاعتراض على مشروع “الحزب” وهيمنته على الدولة اللبنانية.

تحاول الكاتبة ندى أيّوب احتكار تعريف الوطنية، وتقديم نفسها وصيةً على معنى لبنان، فيما هي جزء من صحيفة هي الناطقة السياسية باسم مشروع صادر الدولة بقوة السلاح منذ سنوات.

المقال الذي كتبته أيوب لا يدافع عن “لبنان الكبير” إنما عن واقع الهيمنة القائم بقوة الأمر الواقع، وهو يهاجم كل من يرفض هذا الواقع، متهمًا إياه بالانعزال أو بالتآمر على الكيان.

لكن قبل توزيع شهادات الوطنية، لا بدّ من العودة إلى السؤال الأساسي: ما هي قدسية لبنان الكبير أصلاً؟

قدسية لبنان الكبير لم تكن يومًا في شعار “الوطن النهائي” المجرد، ولا في تقديس حدود جغرافية كأنها نص ديني. قدسية لبنان الكبير سنة 1920 كانت في أنه جاء، وسط شرقٍ كانت تُفرض فيه الهويات الأحادية بالقوة، ليقول إن هذا الشرق يتسع للتعدد، وإن الإنسان يمكن أن يحتفظ بهويته وثقافته ودينه وحريته داخل كيان واحد.

هذه هي الفكرة المقدسة الوحيدة: الإنسان الحرّ.

أما إذا تحوّل هذا الكيان إلى سجن لجماعاته، وإذا أصبح فريق فيه يقتل شركاءه، ويخوّنهم، ويجرّهم إلى حروب لم يريدوها، ويصادر قرارهم السياسي والعسكري، فأين تبقى القدسية هنا؟ هل تصبح الجغرافيا أهم من البشر؟ هل يُطلب من اللبناني أن يقدّس الدولة حتى ولو تحولت إلى أداة لقمعه وإلغاء حريته؟

لقد أراد البطريرك إلياس بطرس الحويك لبنان الكبير لأنه رأى فيه حمايةً للإنسان اللبناني، بعد تجربة الحرب العالمية الأولى لا سجنًا أبديًا له. وعندما تنتفي مصلحة الإنسان من الصيغة السياسية، يصبح من حق الناس البحث عن صيغة أفضل تحفظ كرامتهم وحريتهم وأمنهم.

أما الحديث الهستيري عن أنّ المسيحيين “لا يعنيهم الـ10452 كلم مربع”، فهو من أكثر الاتهامات وقاحةً وتزويرًا للوقائع.

من الذي حذّر منذ سنوات من تحويل لبنان إلى ساحة حرب إقليمية؟ من الذي قال إن جرّ لبنان إلى محور إيراني سيقود إلى الخراب والعزلة والانهيار؟ من الذي رفض تحويل الجنوب إلى منصة اشتباك دائمة؟ كانوا في طليعة هؤلاء المرجعيّات المسيحيّة.

ونسأل ببساطة: هل سأل الحزب اللبنانيين قبل إدخالهم في الحرب؟ هل استشارهم قبل تحويل مصير البلد إلى جزء من استراتيجية إقليمية؟ هل كان الـ10452 كلم مربع يعنيه فعلاً عندما صادر قرار الدولة والحرب والسلم؟

وإذا كان “الحزب” مقتنعًا فعلاً بالـ10452، فليسلّم حبيب الشّرتوني الذي قتل الرّئيس الذّي أطلق الشّعار.

من جهّة أخرى، وللتّذكير هل يعني الكاتبة وبيئة “الحزب” ما يحصل في بشري وفي أميون وفي عكار والشوف والجبل؟ أم أن لبنان بالنسبة إليهم مجرد جبهة متقدمة في مشروع أكبر من لبنان نفسه؟

من لا يعنيه لبنان الكامل هو من يتحدث بلغة فوقية مذهبية، ويتصرف كأن بقية اللبنانيين مجرد سكان في دولة يديرها السلاح.

أما اللعب على وتر “المناطق العازلة” و”المشاريع الإسرائيلية”، فهو محاولة جديدة لبث الذعر الطائفي. حتى الآن، كل المفاوضات الرسمية التي جرت لم تتضمن أي مشروع معلن لتقسيم لبنان أو إنشاء كيانات عازلة. وما يُستشهد به من تصريحات متطرفين مثل إيتمار بن غفير أو يسرائيل كاتس لا يمثل الوفد الإسرائيلي المفاوض ولا السياسة التفاوضية الرسمية.

أمّا المفارقة الساخرة فتكمن في أن من يحاول إعطاء دروس في مواجهة إسرائيل يتجاهل أن المسيحيين اللبنانيين كانوا تاريخيًا من أكثر الجماعات تمرسًا في فهم ألاعيب الغرب والشرق معًا. من بشير الجميل إلى كميل شمعون إلى سمير جعجع إلى نصرالله بطرس صفير، لم تكن التجربة المسيحية اللبنانية يومًا قائمة على السذاجة السياسية أو الارتهان للخارج.

أما الاختباء خلف الفاتيكان، فهو بحد ذاته اعتراف ضمني بالأزمة الأخلاقية لمشروع “الممانعة”. لكن الحقيقة أن المسيحيّين لم ينتظروا يومًا إذنًا من الفاتيكان ولا من غيره كي يدافعوا عن أنفسهم وعن وجودهم. ولن ينتظروا أحدًا إذا فُرضت عليهم مجددًا معركة البقاء.

والأغرب أن المقال يحاول اتهام “القوات اللبنانية” بالإرث الانعزالي، فيما “الحزب” نفسه هو من خدع اللبنانيين عندما حاول تسويق نفسه كحزب لبناني طبيعي تخلّى عن مشروع الدولة الإسلامية، قبل أن يكشف مع الوقت خطابًا أكثر تشددًا وأشد إسلاموية وارتهانًا للمحور الإيراني.

الحقيقة أن “الحزب” هو من صنع “لبنان الصغير” الذّي يخشاه: لبنان المعزول، المحاصر، المنهار اقتصاديًا، والخاضع لهيمنة السلاح والخارج. وهذا النموذج هو الذي يرفضه المسيحيّون.

وإذا أصرّ “الحزب” على إبقاء لبنان رهينة مشروعه العسكري والعقائدي، فمن حق أي لبناني أن يطرح أي صيغة سياسية أو دستورية أو وطنية تضمن له الحرية والكرامة والأمان، مهما كان اسم هذه الصيغة، لأن الأوطان لا تُقاس فقط بمساحتها الجغرافية، بل بقدرتها على حماية الإنسان الذي يعيش فيها، وهذا ما عجز “الحزب” على أن يحقّقه للمائة ألف مقاتل الذّين أصبحوا اليوم، مائة ألف نازح.

وإذا أراد المسيحيون أن يناقشوا أي صيغة سياسية، سواء لبنان الكبير أو لبنان الصغير أو أي نموذج آخر يحفظ كرامة الإنسان اللبناني وحريته، فلن يذهبوا لاستجداء شرعيتها من الخارج، لا من الفاتيكان ولا من واشنطن ولا من أي عاصمة في العالم. سيُطرح هذا النقاش هنا، في لبنان: في بيروت، في بكركي، في مجلس الوزراء، في عين التينة، وحتى في قلب الضاحية الجنوبية نفسها.

لبنان بالنسبة إلى المسيحيّين، حضارتهم وحضورهم وليس ساحة ضمن محور، بعكس ما تعتقده الكاتبة وبيئتها… إنما هو المحور نفسه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل