.jpg)
انكبّت الأوساط الرسمية والحزبية أمس على تقويم النتائج التي يمكن أن يتلقّاها لبنان من اتفاق الإطار بين واشنطن وطهران. وفيما أبدى بعضها تفاؤلاً بأنّ الاتفاق سينهي حرب إسرائيل على لبنان، تخوّفت مصادر من لجوء واشنطن إلى إرضاء إسرائيل بإطلاق يدها في لبنان، طمأنةً لهواجسها وتأميناً لسكوتها عن الاتفاق مع طهران، خصوصاً أنّ واشنطن تؤكّد باستمرار «حق إسرائيل» في ملاحقة عناصر الحزب وتفكيك بُنيته التحتية.
وما يدعم المخاوف، هو أنّه على رغم من الإعلان الأميركي عن هدنة الـ45 يوماً المفترضة، فالوقائع على الأرض تثبت أنّها مجرّد «حبر على ورق». والمجازر المستمرة في الجنوب، والغارات العنيفة، وأعمال النسف والجرف المنظّم للقرى الحدودية، كلّها قرائن تدلّ إلى أنّ إسرائيل لا تقيم وزناً للمواقيت أو المواثيق الديبلوماسية. وبالتالي، فإنّ أي نصّ في اتفاق واشنطن – طهران يتحدث عن وقف النار في لبنان سيبقى على الأرجح قاصراً عن كبح جماح الآلة العسكرية الإسرائيلية، ولا يمكن تجاهل الإنذار الأميركي الأخير الذي تجسّد في حزمة العقوبات التي أصدرتها وزارة الخزانة أخيراً، وكانت الأولى من نوعها.
ولذلك، إنّ رهان الوسط الرسمي والقيادي اللبناني على انعكاسات إيجابية تلقائية للاتفاق الأميركي – الإيراني المحتمل ربما لا يكون واقعياً. وقد تقود واشنطن مساراً مزدوجاً: تهدئة كبرى مع طهران، مقابل الحسم في لبنان لإنهاء «الحزب». وقد يذهب المفاوض اللبناني إلى واشنطن، ولا يجد في اتفاق طهران أي مظلة تحميه، إذ لا مصلحة لإسرائيل في وقف الحرب حالياً، ولا مصلحة لترامب في معاكسة نتنياهو حالياً.
الأولوية الأميركية
كشف مصدر ديبلوماسي مطّلع لـ«الجمهورية»، أنّ القراءة الغربية لمسار التفاهم الجاري بين واشنطن وطهران تقوم على مبدأ أساسي مفاده أنّ «الحرب المفتوحة في الإقليم بلغت حدود الاستنزاف المتبادل، وأنّ الأولوية الأميركية لم تعُد إسقاط النفوذ الإيراني دفعة واحدة، بل إعادة ضبطه ضمن قواعد اشتباك جديدة تمنع الانفجار الشامل وتحفظ المصالح الاستراتيجية الأميركية في الخليج والممرات البحرية، بينما تمنع إيران من الانفجار والاتجاه إلى تفكّك أو صدامات داخلية». وفي هذا السياق، فإنّ ما يُتداول عن أنّ «الحزب» يشكّل العقدة المركزية في المفاوضات يبدو، بحسب المصدر، أقرب إلى «التهويل الإعلامي منه إلى الوقائع الفعلية على طاولة التفاوض».
وأشار المصدر إلى أنّ التسريبات «تعكس توجُّهاً واضحاً لدى إدارة ترامب نحو الفصل بين «التسوية الكبرى» مع إيران وبين الملفات الميدانية التفصيلية في لبنان وسوريا وغزة. فالتفاهم الجاري يركّز بصورة أساسية على وقف العمليات العسكرية في إيران، إعادة فتح مضيق هرمز، تخفيف الحصار البحري، والدخول في مرحلة تفاوض أطول حول البرنامج النووي الإيراني والصواريخ البالستية، فيما تُركت ملفات الأذرع الإقليمية إلى مقاربات لاحقة وأكثر تعقيداً».
ولفت المصدر إلى أنّ «الإسرائيليّين أنفسهم يتعاملون بحذر مع أي انطباع يوحي بأنّ واشنطن قد تربط حرّية الحركة العسكرية الإسرائيلية في لبنان بالتفاهم مع إيران، بدليل تأكيد بنيامين نتنياهو للرئيس ترامب أنّ إسرائيل ستحتفظ بحق التحرُّك ضدّ أي تهديد في لبنان، وأنّ واشنطن أبدت تفهّماً لهذا الموقف. وهذا يعني أنّ الساحة اللبنانية ما زالت تُدار وفق تفاهمات أمنية أميركية – إسرائيلية مباشرة، أكثر ممّا تُدار عبر التفاوض مع الإيرانيّين».
وأضاف المصدر أنّ «واشنطن تعمل منذ أسابيع على بناء مسار موازٍ خاص بلبنان، بعيداً من الضجيج المرتبط بالمفاوضات الإيرانية، ويتّصل مباشرة بترتيبات ما بعد وقف النار على الجبهة الجنوبية. وضمن هذا الإطار يأتي اجتماع البنتاغون المرتقب في 29 أيار، باعتباره بداية «مسار أمني تقني» بين لبنان وإسرائيل، لا مساراً سياسياً معلناً بالمعنى التقليدي».
وبحسب المصدر، فإنّ الأميركيّين يدركون حساسية أي انخراط لبناني رسمي في هذا النوع من الاجتماعات، لذلك يجري العمل على إعداد غطاء داخلي واسع للوفد العسكري اللبناني، سواء من خلال تنويع طبيعته التمثيلية أو مراعاة التوازنات الطائفية والسياسية داخل المؤسسة العسكرية، بما يمنع تصوير الخطوة كأنّها انحياز داخلي لفريق دون آخر. فالهدف الأميركي الفعلي لا يتمثل حالياً في فرض تطبيع سياسي سريع بين لبنان وإسرائيل، بل في إنشاء آلية أمنية ثابتة تمنع العودة إلى الحرب وتؤمّن استقراراً نسبياً على المدى المتوسط».
وختم المصدر بالتأكيد على أنّ أي تفاهم أميركي – إيراني مرتقب «لن يُترجم تلقائياً تسوية شاملة في لبنان، لكنّه قد يوفّر مناخاً إقليمياً أقل توتراً، يسمح بتمرير ترتيبات أمنية كانت تبدو مستحيلة قبل أسابيع، خصوصاً أنّ واشنطن تعتبر أنّ تثبيت الجبهة اللبنانية بات جزءاً من إعادة رسم التوازنات الإقليمية بعد الحرب، لا مجرّد تفصيل ملحق بالمفاوضات مع طهران».
