#dfp #adsense

جو حتَّى.. ناهزَ الستَّة عشر قرنًا من التاريخ

حجم الخط

الصور التَّذكارية سجَّانتك، والعراضات الإنشائيّة استظهار وتكرار، وما كان التاريخ الفائض الفائض فيك كمواهب الروح القدس السَّبعة استظهارًا ومظاهر .

وأنتَ في طريقك إلى المكتبة السَّماويَّة، ها هيَّ كتبُك تواكبكَ بانتفاضة ليس مثلها إلاَّ انتفاضة سراج الحبساء على كلِّ ظلامٍ داجي يحاول الفصل بين عيونهم ونصوص صلواتهم، وأنتَ في جميع ما كتبته لم تكتب لنا إلاَّ الذي نقرأه كالصَّلوات، ونفهمه فهمنا قانون الإيمان.

مَرَّت عليكَ تلك السَّاجدة عند أقدام الصَّليب فوجدتكَ قد تمَّمت امتحان الخلِّ والمر وأصبحت عند مشارف لحظة الصَّرخة العظمى قبيلَ رفيف الروح: “لقد تمَّ كل شيء”!!

ملكوتكَ الآتي، أنتَ كتبته كتابةً، وأقلامكَ كانت علامةً من أصدق وأوضح علامات أزمنته وأزمنتنا. ملكوتنا اللبناني الموعود قد قرأناه وسنبقى نقرأه ونتقرَّب منه، وصفحاتك تفتح لنا الباب الملوكيّ وتترحَّب بنا. وأنتَ تغادر بصرما المباركة على تمام السَّاعة التي لا يعرفها إلاَّ الآب، سلكتَ طريق البدايات الميفوقيَّة وهيَّ الأقرب إلى

بوصلة ضمائرنا، ولهفة قلوبنا، وشعلة ذاكرتنا . وفيتَ نذر مرورك على إيليج أيقونة عذراء الأمَّة السريانيَّة المارونيَّة، ألقيت سلامٍ مستقيمٍ كعصيِّهم الخشب، بطاركة النفوس الذَّهبية ساكني الصَّرح البطريركي الإيليجي وسكان ملحمتكَ، ملحمة السَّتة عشرة قرنًا . مِن تحت شجرة الجوز التَّاريخيَّة العمر والحجم ارتفعتَ بعينك إلى تلك التَّلة الباقية جبلاً من جبال تجلّي المقاومة اللبنانية، تلَّة دير مار شليطا القطَّارة مقرُّ الرئاسة العامة لرهبان الأساكيم الزيتية.. قَرعت أبواب قلالي الدير بابًا بابًا وقلاَّيةً قلاَّية. هي القلالي والأبواب التي تخرَّج منها، وخرج أولئك الذين لولاهم لما بقي للحصن اللبناني الأصيل بوَّابة!!

قلبكَ الذَّبيح زهدًا ونسكًا

وزناتك الخمسة تضاعفت حتَّى العشرة، والوزنات العشرة في يديك نجزمُ أنَّها بلغت المئة، لكنَّ الميزان المركزي المعتمد عليه مصابٌ بالذين تمَّ الاعتماد عليهم لتوزين الثِّقل الفكري والمناقبي والإنتاجي، لا تعنيهم إلاَّ أوزان ريش النَّعام . أمَّا فكرك أنت فإنَّه منسوجٌ نسيج مِسحٍ شربليٍّ شائك الوبر، لا يناسب حساسيَّة ذوي الجلد النَّاعم، وإنَّ في كلِّ مفصلٍ من مفاصل عمرك المتزهٍّد مخدة حطب كالتي كانت تحِنُّ على غفوات الحبيس شربل الزَّهيدة الوقت . أقلامك توأم آلامك وآمالك، ولا يومٍ أفترق عنك الثلاثة، حتَّى باتت الحياة عندكَ منتزهًا وارفًا لعقلك الفردوسيِّ، والوفاة لا تثير فيك خوفًا وهلعًا، إلاَّ حين تشكِّل خطرًا على صحَّة الوفا.. وكم كنتَ سخيًا كريمًا على كرامتك وعنفوانك، ومثالك أنبياءٌ لا يعتبون على أوطانهم حتَّى لو وزَّعت الأوسمة إعاشات على مَن لا يجيدون إلاَّ العيش.. تشفَّع يا يوسف لئلاَّ تلحقنا عدوى أورشليم راجمة المُرسَلين إليها، وليس كلّ الرًّجم الأليم يتم بالحجارة!!

أيَّها المثلَّث الوجع

ـ أوجاع أبوَّة لا طاقة لكثيرين على احتمالها قد حلَّت بكَ

وكأنَّ النبيِّ الجبراني البشراوي كان يعنيك في آيته: “أبناؤكم ليسوا لكم” والآباء مثلك هم أيضًا أبناء الحياة..

إنحزت انحيازًا تامًا إلى بساتين زيتون بصرما، وأشيار قاديشا وعواصي قنوبين وسائر محابس المارونية، قاطعًا كلَّ صلةٍ بشبه القارة الكنديَّة إلاَّ لهفاتكَ على سماعك أصوات شربل، وأنطوني، وميريام.. وما أخطر الإصابة بالأشواق اللاهَّابة إلى فلذات الكبدِ يا بو شربل العاشق المتيَّم بأرز لبنان!

ـ أوجاع روحيَّة غلَّت فيكَ تفرعَّت عنها أوجاعٌ نفسيَّة

معنويَّة، لا يتوجَّعها إلاَّ الأبرار والصدِّيقين في أزمنة

إعلاء شأن مجالس مرتكبي الذنوب والآثام والبلايا..

والنَّسر المصاب هو ذاك الذي لم يعد يجد متَّسعًا وفرصًا لتحليق جانحيه!

ـ أوجاع جسدية تسلسلت من ما سبقها وتسلَّلت إلى جسدٍ عليه كامل مسؤوليَّة شفاء تواريخنا القدسيَّة من جراحها البليغة، لعلَّ الذاكرة الشعبيَّة العامة تشفى من التخدُّر أولاً، ومن تفشّي الأوبئة العقائدية ثانيًا ودائمًا . أضناك كل هذا الضَّنى اللاحق بأهلك وشعبكَ وبلادك يا طليع قادة التأريخ اللبناني، فالتحقت بخطوات ربِّك، وسيّدك، ومعلَّمك، وصديقك، وحبيبك يسوع النّاصري وقدميه الحافيتين المنهوشتين بأسنان وأنياب حجارة مراحل صعوده إلى الجمعة العظيمة، وما أدراك ساعة يلتئم حفاء القدمين بحفيف مسامير الصَّلب على باطن الكفَّين!!

من هو المنتقل إلى ذمَّة من؟

هل “جو حتي” في يوم 21 نوار 2026 هو ذاته الذي أصبح في ذمَّة الله, أمَّ أنَّ تقديم العزاء واجب لتاريخنا الوجودي الروحي الأبرشي الممتد في البدء من سلسلة جبال قورش وأفاميا وجرجومة وسائر قمم اللكام, حتى معابر وداي الدير العاصي وصولاً إلى كفرحي ووادي حربا وجبة المنيطرة ووادي إيليج وقنوبين.

هل أنت وحدك انتقلتَ إلى رحمة الله، أم انتقلت معك أجيالٌ، وأحداث، ووقائع، ونوادر، وأسرار ترتبط أوثق الارتباط بجيل يوحنا مارون، وابراهيم القورشي، وأرميا العمشيتي، ودانيال الحدشيتي، وأرميا الدَّملصاوي، وجبرائيل الحجولاوي، وأسطفانوس الدويهي، وصولاً إلى جيل قديس ثورة الأرز، نصرالله لبنان صفير!

أأنت وحدك الذي رفعك الآب القدوس إلى أمانة ذمَّته، أم انتقلت معك وثائق، ومخطوطات، ومراجع  من جوهر التاريخ، طالما نظَّفتَ بها هويتنا الحقة، هوية الـ1600 سنة، نظَّفتها من الهوامش والزوائد والحواشي الملطَّخة بالتَّخمينات والتَّأويلات وشتَّى الأخبار الطّائشة!!

جو بدوي حتّي

حاشاك من القبر يا رفيقي الأبدي. إنّ فيه أنواع وأشكال

من جثامين حيَّة ترتزق داخل القصور والمقرَّات والدوائر الحاكمة بأمرها وأمرِّها.. هامتك هامة أرز وشهداء وتيجان بطاركة أقاموا لنا  المكان والزَّمان. لن تدخل كنيسة سميَّك وشفيعك يوسف  في رعيتك بصرما جثمانًا مسجَّى في خورس صلوات الجنازة. نحن أهلك وأخوتك ورفاقك لا نرافق إلاَّ نعشًا يحمل قوارير دمعنا. يحمل كتبًا ستبقى بيوتًا لتاريخنا. والأهم أنَّه يحمل الكبير بين حرَّاس تواريخ ولادتنا اللبنانية، وصلبنا المشرقي، وقيامتنا المسكونية!!!

ونبقى.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل