.jpg)
يدخل لبنان دوامة مصيرية لا تشبه المراحل السابقة. للمرة الأولى يبدو “الحزب” فيها معزولاً سياسيًا وعربيًا ودوليًا، فيما تتقدّم الدولة، ولو ببطء، إلى واجهة الدعم الخارجي. فخطاب “الحزب” على لسان أمينه العام المغيّب بالكامل عن الكارثة التي ورّط فيها لبنان، يبدو أقرب إلى “الكوميديا السوداء”، يتعامل مع لبنان كساحة مفتوحة لمشاريعه الإقليمية، فيما يُترك اللبنانيون وحدهم تحت الركام والنزوح والانهيار والجوع. يتعامل مع إسرائيل وكأنه أزالها من الوجود، فيما جيشها بات على مقربة من جزين.
إنها المعادلة اللبنانية الأكثر اختلالا وخطورة: “الحزب” يقرّر وحده فتح الجبهات، يرغب في أن يفاوض وحده، يصعّد وحده، ثم يطالب الدولة المنهكة بأن تتحوّل إلى صندوق تعويضات وخدمات وإغاثة، والأسوأ أن “الحزب”، بعدما صادر الدولة لعقود بقوة الأمر الواقع، بات يهدّد بإسقاطها عندما لا تنصاع بالكامل إلى شروطه السياسية والأمنية.
“الحزب” يستعيد مناخ 7 أيار
لم يكن تهديد قاسم بإسقاط الحكومة تفصيلا عابرًا، بل إعلانًا سياسيًا شديد الخطورة يحمل في طياته منطق الانقلاب الفاقع على المؤسسات. فالحكومات في الأنظمة الديمقراطية لا تُسقط في الشارع ولا بالترهيب ولا بفائض القوة، بل داخل البرلمان وعبر الآليات الدستورية. أما التلويح بإسقاط حكومة يشارك “الحزب” نفسه فيها عبر وزيرين محسوبين عليه، فلا يعكس سوى استمرار الذهنية التي ترى الدولة مجرّد أداة تُستخدم حين تخدم مشروعه وتُهدّد حين تحاول استعادة شيء من قرارها السيادي.
وتعلّق مصادر على تهديد قاسم بإسقاط الحكومة بالقول: “بدا هذا التهديد وكأنه استعادة أكثر فجاجة وخطورة لمناخات الوصاية والقوة التي حكمت لبنان لعقود، ومحاولة واضحة لإعادة تكريس معادلة: إما الخضوع لشروط “الحزب” أو الذهاب إلى الفوضى. وهي معادلة لا تختلف كثيرًا، في رمزيتها السياسية، عن مناخات 7 أيار المشؤوم”.
رد أميركي حاسم
في المقابل، لم تمر مواقف قاسم مرورًا عاديًا أميركيًا وخليجيًا. فالرد الأميركي السريع والحاد الذي جاء على لسان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الداعم للحكومة أثار تساؤلات سياسية، بحسب المصادر، عما إذا كانت الإدارة الأميركية تملك معطيات مسبقة عن نيات تصعيدية لدى عصابة “الحزب” أو محاولات ضغط تستهدف الحكومة في المرحلة المقبلة، ما دفعها إلى رفع سقف المواجهة السياسية سريعًا مع “الحزب”، والتأكيد بصورة غير مباشرة أن إسقاط الحكومة أو جر لبنان إلى فراغ جديد تحت ضغط السلاح لن يكون أمرًا مسموحًا به على الإطلاق أو قابلا للتساهل الدولي. ولم يترك روبيو مجالا واسعًا للتأويل عندما أكد أن لإسرائيل “الحق دائمًا في حماية نفسها إذا كان “الحزب” سيطلق الصواريخ”.
