.jpg)
تعيش البيئة الشيعية اليوم واحدة من أكثر مراحلها قسوة وإرهاقًا منذ عقود، بعدما دفعتها الحروب المتتالية والسياسات التي فرضها “الحزب” إلى عزلة خانقة، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وحتى إنسانياً. فبعيداً من الخطابات التعبوية والشعارات المرتفعة، تكشف الأحاديث اليومية لأبناء هذه البيئة حجم المأساة التي يعيشونها، وشعورهم المتزايد بأنهم باتوا يدفعون أثمان مشروع أكبر منهم، فيما يزداد مصيرهم غموضاً يوماً بعد يوم.
في حادثة تختصر حجم الانكسار الداخلي، يروي أحد أبناء منطقة مسيحية، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، حديثًا جمعه بشخص من عائلة شيعية ميسورة الحال، قال فيه الأخير بمرارة واضحة: “حتى نحن الذين نملك المال لم يعد لدينا القدرة على السفر أو الهروب من هذا الواقع. الدول المجاورة لم تعد تستقبلنا حتى كسياح، وكأن وصمة العار التي طبعها الحزب على جبيننا أصبحت تلاحقنا أينما ذهبنا”.
يضيف الرجل، وفق الرواية نفسها، أن “المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بنظرة الخارج، بل حتى الداخل اللبناني بات يعيش حالة توتر وخوف متبادل، نتيجة تصرفات قلة لا تزال تتحرك وفق منطق الترهيب والتخوين وفرض الأمر الواقع باسم “الحزب”. ويقول: “لم نعد قادرين على الذهاب إلى أي مكان براحة. الناس تنظر إلينا كأننا مسؤولون عمّا حصل، فيما نحن أيضاً ضحايا هذا الواقع”.
هذا الشعور بالعزلة لم يعد محصوراً بالطبقات الفقيرة أو المتضررين مباشرة من الحرب، بل امتد إلى مختلف الشرائح داخل البيئة الشيعية، حتى أولئك الذين كانوا يعتبرون أنفسهم بعيدين نسبياً عن تداعيات المواجهة. فالأزمة لم تعد فقط مالية أو أمنية، بل تحولت إلى أزمة هوية وخوف من المستقبل، وسط شعور متنامٍ بأن هذه البيئة تُترك اليوم لمصير مجهول.
وفي شهادة أخرى تختصر حجم القلق الوجودي، يتحدث أحد المصابين في عملية “البيجر” عن واقع البيئة الشيعية قائلاً: “نحن بيئة مجهولة المصير. لا نعرف إذا كنا سنبقى في لبنان أصلاً، ولا نعرف ماذا سيكون مصير أولادنا وحياتنا”. يضيف: “كل شيء أصبح ضبابياً. لا أحد يملك إجابات، ولا أحد يعرف إلى أين نحن ذاهبون”.
في الخلاصة، تكشف هذه الشهادات حجم التحول النفسي والاجتماعي داخل البيئة الشيعية، التي باتت تدرك أكثر من أي وقت مضى أنها دخلت مرحلة استنزاف خطيرة، ليس فقط على المستوى الأمني أو الاقتصادي، بل على مستوى الشعور بالانتماء والاستقرار والقدرة على العيش الطبيعي. وبينما تستمر القيادات الحزبية في رفع سقف المواجهة، يبدو أن الناس في مكان آخر تماماً: مكان مليء بالخوف والتعب والبحث عن أي نافذة نجاة قبل فوات الأوان.
