#adsense

يوسف إلياس.. الصدم الصامد لينجو الآخرون

حجم الخط
يوسف الياس
يوسف الياس
يوسف الياس
يوسف الياس

في العام 1990، لم تكن الجبهات تعرف سوى النار، وكانت القذائف والهلاك يمران يوميًا بين الناس كظلٍّ لا يغيب. ولم تكن الحرب المفروضة مجرّد معارك أو خطوط تماس، بل واقعًا يبتلع الحياة، حيث لا مكان حتى للأحلام.

كان هناك فقط مقاتلون يعرفون أنّ أي خطوة إلى الوراء قد تفتح طريقًا للموت نحو أهلهم وبيوتهم ورفاقهم.

لذلك قاتلوا… لا حبًا بالحرب، بل لأنّهم أحبّوا الذين خلفهم أكثر من حياتهم. فتسابقوا مع الموت كل يوم؛ يسبقونه مرة، ويأخذ معه في المرة التالية واحدًا منهم… وفي قلب تلك الحرب، حيث لا خيار سوى الوقوف بثبات، برز المقاتل يوسف الياس، المعروف في فرقة الصدم بلقب “ألفيس”.

في تلك الأيام الحالكة، شكّل أحد المواقع العسكرية المعادية مصدر تهديد مباشرًا لمدنيّي كسروان، إذ كان يطلق نيرانًا متواصلة على نقطة ارتكاز أساسية لأي تقدّم باتجاه مرتفعات المنطقة، نظرًا لأهمية الموقع الاستراتيجية وتحكّمه بالمسارات المؤدية نحو الساحل. أمام هذا الخطر، بات تنفيذ عملية دقيقة لتحييد الموقع وإسكات نيرانه ضرورة لا تحتمل التأجيل.

في فجر العاشر من نيسان من العام 1990، اتخذ ألفيس موقعه بهدوء، كمن يعرف تمامًا أين يجب أن يكون. وفي تلك اللحظة التي تختصر عمرًا كاملًا، قال: “إذا إنتو رايحين… أنا ما بترككم.”

وعند الانطلاق، جهّز يوسف عتاده، وخرج بخطواتٍ راسخة إلى جانب المقاتل في فرقة الصدم ديب مطر وبقيّة الرفاق، وقد حمل كلٌّ منهم قدره على كتفيه. كان السكون يخيّم على المكان، لا يُسمع فيه إلا خفقان القلوب، وثقل سلاح ما هو آتٍ أكثر مما هو محمول. ومع ذلك، كان الجميع يدرك، في داخله، أنّ هذا الطريق ليس كغيره…

قبل خروجه من بوابة الثكنة، دخل الكنيسة وصلّى بخشوع، ثم رفع رأسه وابتسم ابتسامة صغيرة بريئة. وعاد إلى ذاكرته وجهُ والدته وهي تحيك له الشال الصوفي بيديها المتعبتين، ذاك الشال الذي كان يعقده حول عنقه في برد الجبال القارس، وكأنّه قطعة من البيت لا تفارقه أينما ذهب… ولثوانٍ قصيرة جدًا، بدت الحياة العادية قريبة… دافئة، بسيطة، وكأنها تنتظر شابًا لا يعلم أنّه على عتبة مواجهة الممات.

هناك، بين الجدران الحجرية ورائحة البخور، ترك يوسف خلفه كل ما يُتعب القلب من مشاعر. وطوال الطريق، لم ينطق بكلمة واحدة؛ كان صمته صلاةً سامية غير متلوّة، وكان هدوؤه سلاحه الذي لا ينكسر.

نجحت المهمة وتمّت إزالة التهديد…

لكن خلال العودة، رُصدت مجموعة ألفيس وديب أثناء الاستراحة على ضفاف النهر، قرب جسر الخشب في وادي الصليب – كفردبيان. وما هي إلا ثوانٍ حتى انقلب كل شيء بكمينٍ مُحكم شاركت فيه مجموعات معادية تفوقهم عددًا وعتادًا…

سقطت الطلقات الأولى فمزّقت الصمت، واشتعل الاشتباك على أكثر من محور، وتحوّل إلى مواجهةٍ مفتوحة بلا رحمة، وصار الموت أقرب من أي وقت… وكأنّ الأرض نفسها أغلقت عليهم الطريق من كل اتجاه.

في تلك اللحظات، إتخذ يوسف قراره.

قرأ الأرض بسرعة، ورأى اقتراب المهاجمين منهم، وفهم أنّ الانسحاب الجماعي سيعني سقوط الجميع. فلم يتردّد، وتقدّم مباشرةً، طالبًا من رفاقه التوجّه نحو موقع آمن: “أنا رح سكّرلكم… رح أخّرون ووقّفون من تحت.” ثم جمع ما استطاع من الذخيرة، وتمركز كخط دفاع، ليؤخّر الرصاص عن رفاقه لبضعة دقائق إضافية… بينما كان يقترب هو من نهايته خطوة بعد أخرى.

كان يتحرّك بين الصخور والأشجار بدقّةٍ عالية، يطلق النار بتركيزٍ قاتل، ويغلق طريق المهاجمين لحظة بعد لحظة.

وفي الوقت نفسه، كان رفاقه يواصلون القتال من خلفه تحت الغطاء الذي أمّنه لهم، لإعادة التموضع ومتابعة التقدّم لاحقًا. أمّا من الأمام، فكانت الوحدات المهاجمة تصطدم بمقاتلٍ يعرف تمامًا معنى أن يبقى وحده ليحمي الآخرين، وهو في مواجهة موتٍ يقترب منه من كل الجهات…

إستمرّ الاشتباك حتى نفدت ذخيرة ألفيس بالكامل. وعند آخر طلقاته… ساد الهدوء، كأنّ الحرب نفسها توقّفت فجأة.

اقتحم المهاجمون مكانه، فيما كان واقفًا، رافضًا السقوط قبل أن يطمئن أنّ رفاقه ابتعدوا بما يكفي لينجوا. فحاصروه بالكامل فوق ذلك الجسر المعلّق بين الحياة والموت، وانقضّوا عليه بشراسة وسط الصراخ والشتائم. وفي ظلّ مقاومةٍ أبداها بعزم، تمكّنوا منه، ونزعوا سلاحه. وحين أصبح أعزل بالكامل، دوّت رصاصةٌ واحدة قاتلة، جاءت من مسافةٍ أقرب من أن تُخطئ…

فسقط ألفيس!

سقط بخفّةٍ تشبه حياته كلّها، وحتى في لحظة استشهاده، بدا كأنّ الأرض نفسها تحاول أن تضمّه إليها وتحميه من ذلك الممات الشامل والماطر بالكراهية، بعدما أنهى مهمته كاملة، وبقي في مكانه حتى توقف الموت عنده… ولم يصل إلى الآخرين. فبقي جسده هناك، ملقًى فوق التراب الذي قاتل عليه… وبالقرب منه، وفي الميدان ذاته، كان مقاتل فرقة الصدم ديب مطر قد سبقه إلى المصير نفسه بعدما واصل القتال حتى الرمق الأخير، فيما استُشهد رفيقٌ آخر معهما متأثرًا بإصابته خلال المعارك.

أمّا عملية سحب الجثامين، فكانت معركة أخرى، إذ لم يكن الوصول إليها سهلًا، بل تحوّل إلى امتحانٍ قاسٍ للصبر والانتظار، حيث بقي المكان مفتوحًا على كل الاحتمالات، شاهدًا على ما انتهى هناك بحزنٍ ثقيل.

وفيما كان الوقت يمرّ ببطءٍ موجع، بين الألم والترقّب، بدأت عملية استرجاعهم الطويلة… فعاد جثمان يوسف الياس عبر الصليب الأحمر اللبناني، ملفوفًا بذلك الشال الصوفي الذي حاكته له والدته، كأنّ يديها ما زالتا تحاولان حمايته من بردٍ لا يُشبه أي برد… بردٍ لا نهاية له، اسمه الموت. وإلى جانبه عاد جثمان ديب مطر، كما يليق بمقاتلَين وصلا معًا إلى النهاية، في مشهدٍ يختصر قسوة الطريق، حيث لا يبقى سوى الوفاء والتضحية من أجل الآخر.

 

يوسف الياس وُلد في بلدة العلالي في أعالي البترون سنة 1970، في بيتٍ متواضع، وسط عائلة بسيطة مؤلفة من شقيقين وأخت. ومنذ طفولته، بدا مختلفًا عن أبناء جيله: قليل الكلام، متعبّدًا لله، ورزينًا، يحمل في عينيه أسًى أكبر من عمره. كان يمنح من حوله شعورًا بالطمأنينة، ويعيش حياته بتأمّلٍ يشبه الرهبان.

لم يُكمل تعليمه الثانوي، لكن حياته لم تُقَس يومًا بالشهادات، بل بالشهادة. إنتسب إلى القوات اللبنانية في العام 1985، وخدم في ثكنة راشا في البترون، حيث تعلّم الانضباط، والعمل العسكري، والتحرّك في الجبال. وهناك أيضًا أتقن قيادة الملّالات، وفهم أنّ السلاح جزء من الأمانة. وكان يعشق الدراجات النارية، لما تمنحه من لحظات حرية قصيرة وسط زمن الحرب.

في أيلول 1989، تقدّم إلى دورة الصدم ونجح فيها، إلا أنّه تأخّر عن الالتحاق ثمانية أيام. فعوّض ما فاته من دون أن يجعل التأخير عائقًا أمامه، مدركًا أنّ المقاتلين الحقيقيين لا يضيّعون وقتهم. وكان حينها لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، فكان من أصغر العناصر سنًّا في الفرقة، لكنه سرعان ما أصبح من أكثرهم حضورًا وصلابة.

عُرف بمهارته في الرماية، وبحضورٍ يفرض الاحترام. كان حادّ الطباع أحيانًا، لكن حدّته لم تكن تهوّرًا، بل تركيزًا عميقًا ومسؤوليةً ثقيلةً يحملها في داخله. كان يوسف مرحًا وخجولًا في آنٍ معًا. لا يحب أن يُظهر نفسه، ولا يسعى للفت الانتباه. كان هادئًا بطبيعته، متواضعًا، وفرض نفسه كإنسانٍ يمكن الاتكال عليه في أصعب الظروف.

لم تمضِ سوى خمسة أشهر على تدريبه في فرقة الصدم حتى اندلعت الحرب الاستنزافية، وهناك برزت موهبته القتالية الحقيقية. وخلال معركة أدما، أُصيب في يده اليسرى، لكن الإصابة لم تُبعده عن الجبهة، إذ بقي يقاتل وكأنّ حياته تفصيل ثانوي أمام مسؤوليته تجاه القضية… فكان من الأسماء الصعبة في ساحات القتال، لا باندفاعه، بل ببروده الميداني الذي لا يعرف الخوف، وبقدرته على ضبط مشاعره والتركيز على الهدف تحت الضغط.

يوسف الياس لم يكن ممّن يقاتلون ليُذكروا، ولا ممّن ينتظرون أن تصنع لهم الحرب مجدًا… كان من أولئك الذين يمرّون بصمت، ويتركون أثرًا لا تراه العيون. لم تكن بطولته صاخبة، بل وُلدت في لحظةٍ واحدة حاسمة، حين اختار أن يبقى… كي يعود الآخرون.

رحل قبل أن يُكمل العشرين من ريعانه، لكن الحرب لم تصنعه، بل كشفت معدنه الحقيقي: مقاتل كان يعتبر البقاء إلى جانب رفاقه ليس خيارًا، بل واجبًا مقدّسًا لا يُناقش.

ففي فرقة الصدم، لا تُقاس القوة بعدد المعارك، بل باللحظة التي يُطلب من مقاتليها أن يبقوا… وهم يعرفون تمامًا ثمن البقاء.

وما بين الظلّ والنور، تُكتب سيرة من اختاروا البقاء حتى النهاية…

ويوسف الياس… بقيَ!

إقرأ أيضًا

خبر عاجل