صحيفة نداء الوطن – أمل شموني
مع اقتراب موعد انطلاق المسار الأمني بين الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي في البنتاغون، لم يعد السؤال بالنسبة إلى واشنطن في كيفية إضعاف “الحزب” بل ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على تحويل هذه الفرصة إلى سيادة داخلية قبل أن يتكيّف “الحزب” ويعيد التسلّح ويفرض سيطرته من جديد.
وتقول مصادر في مجلس الأمن القومي الأميركي إن أزمة لبنان لم تعد تتعلق بالحرب ووقف النار بل بقدرة الدولة على استعادة سلطتها من النظام اللبناني الهجين الذي ساهم “الحزب” في بنائه وهذا ما يجعل الدبلوماسية الحالية التي ترعاها الولايات المتحدة بالغة الأهمية، وبالغة الهشاشة أيضًا تضيف المصادر.
وتتقاطع المعلومات المتعلقة بمحادثات الجمعة في البنتاغون، إذ يُتوقّع أن يبحث الوفدان أفكارًا لوقف الأعمال العدائية تتراوح بين “إمكانية خلق منطقة تجريبية (Pilot Zone) التي تقترحها إسرائيل وبين استراتيجية الخطوة مقابل الخطوة التي يتبناها لبنان”. يترأس ممثل الجيش الجنرال جورج رزق الله وفد بيروت، على أن ينضم الدبلوماسيون إلى الجلسة الافتتاحية وهناك إمكانية حصول اجتماع تنسيقي اليوم كان مقررًا بين الجانب الأميركي ووفد الجيش اللبناني، يهدف إلى جوجلة قدرات الجيش لتنفيذ أي من المقترحات.
من هنا يقف الجيش في قلب المحادثات المقبلة. وتشير مصادر مجلس الأمن القومي إلى أن الجيش ليس العقبة الرئيسية، بل إن العقبة الحقيقية تكمن في غياب قيادة سياسية متماسكة. فالجيش في لبنان أداة، وليس صاحب القرار السيادي، لا ينتج استراتيجية، بل ينفذ قرارات طبقة سياسية اعتادت في كثير من الأحيان التعامل مع الدولة كواجهة شكلية، مع تفويض الأسئلة المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم إلى جهات خارجية. وتسأل المصادر: Is Lebanon a fake state or a failed state? من هنا، فإن مطالبة الجيش بحل ملف “الحزب” بمفرده تعني قلب تسلسل المسؤولية رأسًا على عقب. فمن الناحية العملياتية، قد تنتهي أي عملية نزع سلاح عند الجيش، لكنها سياسيًا يجب أن تبدأ من الدولة.
ولا يعني ذلك أن الجيش عاجز. فبحسب مصادر في القيادة المركزية الأميركية، على العكس. إذ لا يزال الجيش يحتفظ بعناصر مهنية قوية، وروابط تدريب عميقة مع الولايات المتحدة، وبقدر من الشرعية يفوق أي مؤسسة لبنانية أخرى. لكنه في الوقت نفسه يعاني نقص التمويل، ويتأثر بثقافة قيادية مدرّبة على تفادي “المبادرة” بأي ثمن تقريبًا. ولذلك، فإن نقاط ضعفه بنيوية أكثر منها عملياتية. من هنا، ترى مصادر قريبة من البنتاغون أن الدعم الأميركي الأكثر فاعلية للجيش اللبناني قد لا يتمثل في مزيد من التسليح، بل في التعاون الاستخباراتي، وتوفير الغطاء السياسي لاستراتيجية دولة يستطيع الجيش تنفيذها.
ولفتت تسريبات مسودة مذكرة التفاهم التي من المقرر صدورها إثر المحادثات الدبلوماسية إلى أن الحرب بين إسرائيل و”الحزب” في لبنان ستنتهي وأن إسرائيل ستحتفظ بحق التحرّك إذا حاول “الحزب” إعادة التسلح أو شن هجمات جديدة.
تغيير الواقع
لا تكمن قيمة المسار الذي تستضيفه واشنطن فقط في عودة المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين إلى الاجتماع، فهذه المحادثات تُكرّس لبنان، لا إيران ولا “الحزب”، بوصفه الطرف المخاطَب والشريك في التفاوض وهذا أمر مهم رمزيًا واستراتيجيًا. فنجاح ترتيب تفاوضت عليه حكومتا لبنان وإسرائيل بدعم أميركي من شأنه أن يطعن مباشرة في “شرعية” “الحزب”، وأن يعزز في المقابل حق الدولة في احتكار السلطة. ولهذا أيضًا يحذّر دبلوماسيون أميركيون من أن نقل هذا المسار إلى قناة تفاوض أميركية – إيرانية سيمنح “الحزب” انتصارًا سياسيًا ويضعف محادثات واشنطن الحالية. غير أن هذه المصادر الأميركية تحذّر من أن المحادثات وحدها لا تصنع السيادة. ويبقى الافتراض بأن إضعاف “حزب الله” يمكّن تعزيز سلطة الدولة، هشًا في ظل عدم وجود آليات تنفيذ وثقة.
ورغم أنه يوجد في واشنطن اليوم قدر من الأمل أكبر مما كان عليه قبل عام، لا يوجد يقين بأن الدولة اللبنانية ستتمكن من انتهاز هذه الفرصة رغم تلقي “الحزب” ضربات قاسية. وقد بدأ الكلام في البيت الأبيض بضرورة المضي إلى ما يمكن تسميته De-Hezbollah-fication من خلال القضاء على وجوده في “الدولة العميقة”، خصوصًا أنه لا يزال قادرًا على استغلال البنية التحتية “السرية”، والضغط الداخلي، والشبكات المالية العابرة للحدود. وتعتبر هذه المصادر أنه إذا تراجعت قدرته على مواجهة إسرائيل، فقد يتجه بصورة “أكثر عدوانية” إلى الداخل للحفاظ على موقعه داخل النظام السياسي اللبناني.
وهنا تتضح دلالة العقوبات الأميركية الأخيرة التي طالت مسؤولين “متغلغلين” في المؤسستين العسكرية والأمنية. والرسالة هنا مزدوجة، تقول مصادر دبلوماسية أميركية: “الحزب” شبكة سياسية ومؤسساتية داخل لبنان. وأي استراتيجية للدولة تركّز فقط على مخازن السلاح، وتتجاهل قنوات النفوذ والتمويل والحماية التي تُبقيه قائمًا، محكومة بالفشل. كما قالت مصادر استخباراتية أميركية إن أي مقاربة تتعامل مع “الحزب” بوصفه مشكلة أمنية فقط تُفوّت السؤال الأعمق المتعلق بالتمثيل. وتلفت هذه المصادر إلى وجود مؤشرات تدل على تراجع في التماهي الشيعي مع “الحزب”، من دون وجود قطيعة حاسمة بعد. لهذا، تتابع المصادر، فإن التحدي السياسي الحقيقي يتمثل في بناء عقد جديد بين الدولة والطائفة الشيعية، تكون فيه الدولة هي الضامن للأمن والتمثيل. من هنا، تؤكد مصادر في مجلس الأمن القومي الأميركي أن بسط سلطة الدولة في المناطق التي لا يتواجد فيها “الحزب” يعكس قدرتها على حماية كل اللبنانيين، وبالتالي يسمح للطائفة الشيعية بإعادة حساباتها والانخراط العملي في الدولة.
باختصار، تستطيع الولايات المتحدة أن تفتح مسارًا، لكنها لا تستطيع أن تسير فيه نيابة عن لبنان. يمكنها أن تتوسط بين بيروت والقدس، وأن تواصل الضغط على الجهات التي تمكّن “الحزب”، وأن تساعد في تعزيز الجيش. ويمكنها أيضًا أن توضح أن واشنطن ترى في الحكومة اللبنانية “الشرعية” المركز الطبيعي للسلطة في البلاد، وأن أي ترتيب دائم يجب أن يعزز مؤسسات الدولة. لكن أي قدر من التسهيل الأميركي لن يكون ذا جدوى إذا لم تستطع المؤسسات اللبنانية نفسها توفير القرار والغطاء والشرعية للخطوات التي يجب أن تلي ذلك.
ولهذا تُجمع المصادر الأميركية على أن مستقبل “الحزب” بات اليوم أقل ارتباطًا بمسألة حرب إقليمية، وأكثر ارتباطًا بقدرة الدولة اللبنانية. فعلى مدى عقود، كان لبنان ساحة لصراعات الآخرين. أما اليوم، فتكمن الفرصة في أن تُعامل بيروت أخيرًا باعتبارها أكثر من مجرد ساحة معركة. غير أن هذه الفرصة ستضيق وتُغلق إذا واصلت الدولة تأجيل القرارات التي لا يملك اتخاذها سواها. والاختبار الحقيقي هو ما إذا كان لبنان قادرًا على ترجمة التحولات الأميركية والزخم الدبلوماسي إلى سيادة داخلية، أم أن “الحزب”، رغم ضعفه، سيعود مرة أخرى ليتفوق زمنيًا على دولة ما زالت تكافح لكي تتصرف كدولة فعلا.