
يقف “لبنان اليوم” أمام مرحلة وجودية حساسة للغاية تتداخل فيها التطورات الميدانية المتسارعة في الجنوب مع حراك دبلوماسي إقليمي ودولي مكثف لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق البلاد إلى احتلال أكبر جراء جنون المغامرة لدى “الحزب المحظور”. وعلى وقع احتلال إسرائيل قلعة الشقيف، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في رسم معالم المشهد اللبناني ومستقبل الجنوب.
في هذا المجال، كشفت مصادر دبلوماسية لـ “نداء الوطن” عن أن الكواليس الدولية تشهد تداول تصورات أمنية غير مسبوقة لجنوب لبنان، بمعزل عن مسار التفاهمات الأميركية – الإيرانية. وأوضحت أن النقاشات تتناول مرحلة ما بعد انتهاء مهمة قوات “اليونيفيل” أواخر العام الحالي، بما يشمل احتمال حضور قوات أميركية للمساعدة في كشف الأنفاق وتفكيك مخازن السلاح. كما تتحدث المصادر عن توجهات غربية لإنشاء غرفة عمليات عسكرية مشتركة أميركية – إسرائيلية – لبنانية ضمن مقاربة أمنية أوسع تهدف إلى إنهاء الوجود المسلح لـ”الحزب”.
على المستوى السياسي، كشف مصدر سياسي رفيع المستوى لـ “نداء الوطن” عن أن المفاوضات المرتقبة يومي الثلاثاء والأربعاء المقبلين ستتمحور حول الخلاصات التي أفضت إليها الاجتماعات العسكرية التي عُقدت في البنتاغون. وأوضح أن الجانب اللبناني سيدخل هذه المفاوضات متمسكاً بمطلب وقف إطلاق نار فعلي ومستدام، لا مجرد ترتيبات موقتة أو شكلية، مع طرح هدنة تمتد لستة أسابيع على الأقل، بما يسمح بتهيئة الظروف اللازمة للانتقال إلى مناقشة الملفات الأساسية المدرجة على جدول الأعمال.
كما أشار المصدر إلى وجود مخاوف لبنانية من رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لهذا الطرح، انطلاقاً من حسابات سياسية وانتخابية داخلية، حيث لا تزال الحرب ضد “الحزب” تحظى بتأييد واسع داخل المجتمع الإسرائيلي وتشكل ورقة مهمة في انتخابات الكنيست المقبلة.
في موازاة ذلك، اعتبر مصدر دبلوماسي لـ “نداء الوطن” أن عامل الوقت أصبح عنصراً حاسماً في تحديد مسار الأحداث، محذراً من أن تأخر “الحزب” في اتخاذ قرار استراتيجي مماثل لما قام به الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر لجهة حل الأجنحة العسكرية والأمنية والانضواء الكامل تحت سلطة الدولة، من شأنه أن يزيد تعقيد المشهد ويرفع مستوى المخاطر التي تواجه لبنان خلال المرحلة المقبلة.
دبلوماسياً أيضاً، تستعد بيروت لاستقبال الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان هذا الأسبوع. وتشير مصادر مطلعة لـ “نداء الوطن” إلى أن مهمته تندرج في إطار استطلاع الأوضاع والتأكيد على استمرار الحضور الفرنسي في الملف اللبناني، من دون أن تكون مرتبطة مباشرة بمسار المفاوضات القائمة، في ظل احتكار واشنطن لهذا المسار. تضيف المصادر أن التحرك الفرنسي يندرج أساساً في إطار الدعم السياسي والمعنوي للبنان.
أما ميدانياً، وتعقيباً على التطورات الأخيرة في الجنوب، فيرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن المتقاعد سعيد القزح، في حديث لـ “نداء الوطن”، أن السيطرة على قلعة الشقيف تمنح الجيش الإسرائيلي أفضلية استراتيجية كبيرة، إذ تفتح الطريق نحو تلة علي الطاهر، الأعلى من الشقيف والمشرفة على كامل منطقة النبطية. ومن هناك تصبح القوات الإسرائيلية قادرة على التحكم بالنار والرصد والمراقبة في سهل مرجعيون والنبطية ومستعمرات أصبع الجليل، إضافة إلى مراقبة مجرى نهر الليطاني من الجنوب إلى الشرق.
ميدانياً، كشفت مصادر “اللواء” عن وصول الجيش الإسرائيلي إلى قرى وبلدات تقع شمال نهر الليطاني، من بينها زوطر الشرقية وأرنون الشقيف، ليصبح على تخوم مدينة النبطية جنوباً. كما توغل باتجاه بلدة الغندورية، ما يزيد من المخاوف من تمدد العمليات نحو قرى قضاء صور. وأشارت المعلومات إلى أن الجيش اللبناني أخلى مواقعه في المناطق التي باتت تحت سيطرة القوات الإسرائيلية حفاظاً على سلامة العسكريين.
في المقابل، أفادت “النهار” بأن المبعوث الفرنسي للبنان جان إيف لودريان سيصل إلى بيروت الأربعاء المقبل لإجراء جولة من المحادثات مع المسؤولين اللبنانيين. وتعتبر باريس أن إسرائيل تتصرف من موقع القوة، وأن الحديث عن وقف إطلاق النار لا يزال أقرب إلى المناورة السياسية. كما ترى أن أي تفاهم أميركي – إيراني محتمل لن يبدل سريعاً من واقع الدمار والنزوح الذي أصاب لبنان. وتبدي أوساط فرنسية بعض الملاحظات على أداء الرئاسة اللبنانية والحكومة، معتبرة أنهما دخلتا مسار المفاوضات منفردتين، ما جعلهما تواجهان الضغوط الأميركية وحدهما، في حين كان من الممكن السعي إلى إشراك فرنسا والدول العربية في هذا المسار على الرغم من الرفض الإسرائيلي لذلك.