
استيقظ الميدان الجنوبي صبيحة اليوم على مشهد عسكري معقد وخطير للغاية، حيث التهمت نيران التصعيد المتدحرج ما تبقى من تفاهمات الهدنة الهشة، في وقت تحولت فيه كواليس العاصمة الأميركية واشنطن إلى خلية نحل ديبلوماسية وعسكرية مكثفة. فبينما كانت الوفود الأمنية تجمع حطام جولة محادثات البنتاغون التي لم تفضِ سوى إلى “تظهير الخلاف”، بدأت الاستعدادات والاتصالات خلف الكواليس الدولية تأخذ طابعاً حاسماً تمهيداً للاجتماعات السياسية المقررة غداً وبعد غد، في الثاني والثالث من حزيران، بمقر وزارة الخارجية الأميركية.
هذه الجولة المرتقبة، التي كان يُفترض أن تبحث في آليات مستدامة لتثبيت وقف إطلاق النار، باتت اليوم، وفق مصادر سياسية مواكبة، تواجه وقائع غاية في القسوة فرضها الجيش الإسرائيلي على الأرض خلال الساعات الماضية.
وتكشف التقارير الدبلوماسية الواردة من كواليس السفارة اللبنانية في واشنطن، أن الجانب الأميركي طرح مقترحاً جديداً للتهدئة التدريجية، يقوم في مرحلته الأولى على وقف كامل لهجمات “الحزب المحظور” مقابل تعهد إسرائيلي بالامتناع عن تصعيد الضربات في بيروت، غير أن هذه المقاربة تصطدم بتصلب إسرائيلي راديكالي يسعى إلى استغلال عامل الوقت لتحقيق أكبر قدر من المكاسب الميدانية قبل أي ضغط دولي حقيقي.
ويتجلى التصلب الإسرائيلي في اتساع الفجوة التفاوضية، حيث تشترط تل أبيب نزعاً كاملاً وملموساً لسلاح “الحزب” في مناطق العمليات وتثبيت “أحزمة أمنية” عابرة للحدود، في حين يتمسك الوفد اللبناني بأولوية الوقف الشامل الفوري لإطلاق النار وانسحاب قوات الاحتلال إلى ما وراء الحدود الدولية.
وعلى الأرض، ترجمت إسرائيل هذا الجمود الدبلوماسي عبر نقلة نوعية صاعقة في هجومها البري، تمثلت في تثبيت قوات النخبة الإسرائيلية، وتحديداً لواء غولاني، تموضعها العسكري داخل قلعة الشقيف الأثرية والاستراتيجية، بعد يوم دامٍ من القصف والمواجهات المباشرة. ولم يتوقف الاندفاع الإسرائيلي عند الرمزية العسكرية للقلعة المشرفة على مجرى نهر الليطاني ووادي السلوقي، بل أفادت معطيات استخباراتية وميدانية محدثة خلال الليل بأن الوحدات الهندسية لجيش الاحتلال أتمت تشييد خمسة جسور حديدية متحركة فوق مجرى الليطاني. وعبر هذه الجسور، بدأت أرتال من دبابات الميركافا والمجنزرات والآليات الثقيلة بالعبور الفعلي والمكثف نحو الضفة الشمالية، مما جعل طلائع القوات البرية الإسرائيلية في حالة تماس ناري مباشر وعلى بعد نحو نصف كيلومتر فقط من التخوم الإدارية لمدينة النبطية.
هذا التمدد البري ترافق مع صدور إنذارات حربية عاجلة وصارمة فرضت تهجيراً قسرياً شاملاً على من تبقى من سكان صور والنبطية وقراهما، معلنةً كافة المناطق الممتدة جنوب نهر الزهراني منطقة عمليات عسكرية مفتوحة.
في غضون ذلك، وضعت فرنسا ثقلها الدبلوماسي في مواجهة هذا التدهور الخطير، حيث طلبت باريس رسمياً عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي، اليوم الاثنين، لبحث الاجتياح الإسرائيلي لقلعة الشقيف وتوسيع العمليات العسكرية، وسط إعلان قاطع من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنه لا يوجد ما يبرر هذا التصعيد الكبير في جنوب لبنان.
ومع تسارع عقارب الساعة نحو جولة حزيران السياسية في واشنطن، يبقى الجنوب رهينة معادلة شديدة الخطورة، يختلط فيها لجوء بعض عناصر “الحزب” للاختفاء باللباس المدني بين القرى الساخنة لامتصاص النيران، مع صرخات أهلية متصاعدة عبر “نداء صور والنبطية” تطالب بإنقاذ الحواضر الكبرى وإعلانها مدناً مفتوحة وخالية من السلاح تحت كنف الدولة والشرعية.
