
لم يحتج بيان واشنطن المشترك إلى وقت طويل كي يصطدم بجدار الواقع. فما كاد يُطرح كمدخل دبلوماسي لخفض التصعيد وترتيب المرحلة، حتى جاء الرفض السريع من “الحزب” ليكشف هشاشة البناء كله، وليعيد النقاش إلى جوهره العاري: الأزمة في لبنان ليست أزمة صياغات، ولا خرائط، ولا مناطق تجريبية، بل أزمة قرار وطني مخطوف، ودولة تُستدعى عند دفع الأثمان وتُقصى عند صناعة القرار.
هنا تكتسب قراءة سمير جعجع بُعدًا يتجاوز السجال السياسي اليومي. فهو لم يتعامل مع البيان كوثيقة معزولة، ولم يسقط في إغراء الترحيب الشكلي بأي مسار يحمل عنوان التهدئة، بل ذهب مباشرة إلى النقطة التي يحاول كثيرون الالتفاف حولها: لا يمكن لأي اتفاق أن ينتج استقرارًا فعليًا ما دامت الدولة لا تملك أدوات تنفيذه، ولا تملك قرار الحرب والسلم، ولا تستطيع أن تقول لمن يحمل السلاح خارجها إن زمن ازدواجية السلطة انتهى.
بهذا المعنى، لم يكن سقوط الوهْم الدبلوماسي مفاجئًا. كان منتظرًا، لأن أي تسوية تنطلق من افتراض أن المشكلة قابلة للحل بالتدرج الجغرافي وحده، أو بتجربة موضعية هنا وهناك، إنما تتجاهل طبيعة السلاح ووظيفته. فسلاح “الحزب” ليس بندًا أمنيًا قابلًا للتوضيب ضمن مربعات على الخريطة، ولا تفصيلًا ميدانيًا يمكن ضبطه بترتيبات جنوبية محدودة. إنه جزء من وظيفة إقليمية أوسع، تُستخدم في التفاوض، والردع، والمساومة، وربط الساحات، وإبقاء لبنان ورقة مفتوحة في يد مشروع لا يقرّر من بيروت ولا يحتكم إلى المصلحة اللبنانية.
من هنا تبدو الفجوة واسعة بين مقاربتين. الأولى تحاول التعامل مع الأزمة بوصفها ملفًا تقنيًا يمكن احتواؤه عبر مناطق محددة، وضمانات خارجية، وتدرّج ميداني محسوب. والثانية ترى أن جوهر المشكلة ليس في المكان الذي يوجد فيه السلاح، بل في الجهة التي تملك قراره. فالنقاش حول زوطر أو الشقيف أو جنوب الليطاني قد يكون ضروريًا من زاوية التنفيذ الأمني، لكنه يصبح خطيرًا عندما يتحول إلى بديل عن السؤال السيادي الأكبر: من يقرّر في لبنان؟ الدولة أم السلاح؟
الخطأ القاتل في هذه اللحظة هو اختزال الأزمة في جنوب الليطاني وحده. فالجنوب ليس إلا واجهة الانفجار، لا أصل المرض. وأي انسحاب شكلي، أو إعادة تموضع محدودة، أو ترتيب ميداني جزئي، لن يكون أكثر من هدنة مؤقتة ما لم يُربط بمسار وطني واضح ينهي ازدواجية القرار على كامل الأرض اللبنانية. فالسلاح الذي يتراجع تكتيكيًا يمكن أن يعود استراتيجيًا متى تبدلت الظروف، والسلاح الذي لا يُسلَّم إلى الدولة يبقى مشروع حرب مؤجلة، ولو سكتت الجبهة أيامًا أو شهورًا.
لقد أثبت الرفض السريع أن العقدة لم تكن في التفاصيل، بل في المبدأ. لم تكن في حدود المنطقة التجريبية، بل في رفض “الحزب” أن تتحول الدولة إلى مرجعية نهائية. وهذا بالضبط ما يجعل المقاربة السيادية أكثر واقعية من كل الواقعيين المزعومين. فالواقعية ليست في مسايرة السلاح، ولا في تبرير العجز، ولا في شراء الوقت ببيانات غامضة. الواقعية هي الاعتراف بأن الدولة التي لا تحتكر القوة لا تستطيع أن تحمي اتفاقًا، ولا أن تفاوض بجدية، ولا أن تطمئن شعبها، ولا أن تمنع الحرب المقبلة.
أما الاتكال على الضمانات الخارجية من دون قرار داخلي حاسم، فهو إعادة إنتاج للوصفة نفسها التي أوصلت لبنان إلى حافة الانهيار. فالخارج يستطيع أن يضغط، وأن يسهّل، وأن يواكب، وأن يقدّم مظلة سياسية، لكنه لا يستطيع أن يبني دولة نيابة عن اللبنانيين. وإذا لم تتحول السلطة اللبنانية من وسيط بين الخارج و”الحزب” إلى سلطة فعلية فوق الجميع، فستبقى كل المبادرات الدولية مجرد محاولات لإدارة الانفجار، لا لإنهاء أسبابه.
المطلوب اليوم ليس خطابًا تصالحيًا مع الأزمة، بل قرار سيادي واضح. المطلوب أن تقول الدولة إن السلاح الشرعي وحده هو الذي يحمي الحدود، وإن الجيش اللبناني ليس قوة فصل بين أمراء الحرب، بل المؤسسة الوطنية الوحيدة المخولة الدفاع عن لبنان وتنفيذ التزاماته. والمطلوب أن تنتقل الحكومة من منطق انتظار موافقة “الحزب” إلى منطق ممارسة السلطة، لأن الدولة التي تنتظر إذن السلاح كي تبسط سيادتها تعترف، عمليًا، بأنها ليست صاحبة السيادة.
في هذه اللحظة، لم يعد ممكنًا الاختباء خلف اللغة الرمادية. فإما أن يكون بيان واشنطن بداية لمسار لبناني حقيقي يستعيد القرار من يد الدويلة، وإما أن يتحول إلى وثيقة إضافية في أرشيف الفرص الضائعة. وإما أن تُقرأ رسالة الرفض كما هي، أي إعلانًا بأن القرار اللبناني لا يزال محتجزًا داخل حسابات إقليمية، وإما أن يواصل البعض التعامل معها كعثرة عابرة قابلة للترميم بالاتصالات والوساطات.
الاستقرار لا يُبنى على النيات، ولا على المساكنات، ولا على هندسة مناطق تجريبية داخل وطن فقد حقه في القرار. الاستقرار يبدأ عندما تعود الدولة دولة: قرار واحد، سلاح واحد، جيش واحد، ومرجعية واحدة. وما عدا ذلك ليس سلامًا، بل تأجيل جديد للانفجار. وليس تسوية، بل إدارة مؤقتة لعجز دائم.
لقد كشف التطور الأخير الحقيقة التي حاول كثيرون تأجيل مواجهتها: المشكلة ليست أن لبنان لا يجد صيغة مناسبة للتفاوض، بل أن الدولة اللبنانية تفاوض من موقع منقوص، لأن قرارها ليس كاملًا في يدها. لذلك لا يكفي أن يُطلب من لبنان تنفيذ التزاماته، بل يجب أن يستعيد أولًا القدرة على امتلاك قراره. ومن دون هذا التحول، ستبقى كل البيانات حبرًا على ورق، وسيبقى لبنان وطنًا يُفاوض الآخرون على أرضه، بينما يدفع شعبه كلفة قرارات لم يصنعها.
في النهاية، ليست واشنطن هي الامتحان، ولا البيان هو الحل. الامتحان الحقيقي هو ما إذا كانت الدولة اللبنانية ستبقى واجهة تفاوضية لقرار مسلح خارجها، أم ستتحول أخيرًا إلى سلطة سيادية تفرض منطقها على الجميع. هنا فقط يبدأ الإنقاذ. وهنا فقط يصبح الكلام عن السلام والاستقرار جديًا. أما قبل ذلك، فكل ما يجري ليس سوى دوران جديد حول الحقيقة نفسها: لا دولة فعلية ما دام هناك سلاح يملك حق النقض على الدولة.