.jpg)
بعدما بلغت الوقاحة الإيرانية مستويات غير مسبوقة في العبث بالشؤون اللبنانية، والمتاجرة بآلام أبناء الجنوب الذين يدفعون ثمن هذا التمادي السافر تهجيرًا وتشريدًا وخرابًا، جاء الرد اللبناني الرسمي الحاسم صاعقًا؛ حيث تلقّت طهران صَفعتَين سياديتَين مدوّيتَين صاغتهما بجرأة كبيرة مواقف رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فلا يزال عالقًا في منطقة الالتباس والرمادية.
في هذا السياق، وبعد كلام بري: “أعطوني وقف إطلاق النار وخذوا مني ما يدهش العالم”، اندهشت بعبدا من بيانه أمس، الذي بدا غير مفهوم ويناقض كل الكلام السابق، علمًا أنه كان في أجواء ما يحصل، وأعطى موافقات تمهّد لوقف إطلاق النار. إلا أن ضغوط “الحزب” والإيرانيين جعلته يرضخ لها، رغم إدراكه حجم الخطر الذي يهدد الجنوب ولبنان في حال الاستمرار في مقامرة “حرب الإسناد”.
وفي قراءة موازية، اعتبرت أوساط متابعة عبر “نداء الوطن” أن تصريح بري، وما عكسه من تموضع أقرب إلى الموقف الإيراني الرافض، أعاد خلط الأوراق. فرئيس مجلس النواب لم يعد قادرًا على لعب دور الوسيط المؤثر، بقدر ما بات يتحرك في موقع الناطق باسم “الثنائي”، من دون أي قدرة فعلية على التأثير في قرار “الحرس الثوري” وذراعه المحلية. وهذا ما يجعل الأمور مرشحة للتصعيد، ويفتح الأيام المقبلة على احتمالات خطيرة.
من هنا، جاء موقف عون عبر CNN ليكشف حجم الخطر الذي يتهدّد لبنان، خصوصًا أن “الحزب” يبدو مصرًّا على الانتحار وأخذ البلد معه. وبدا توقيت الإطلالة الرئاسية بالغ الدلالة، إذ أراد من خلالها فصل الدولة والشعب عن مغامرات “الحرس الثوري” و”الحزب”. فاستمرار المعركة لا يفعل سوى منح إسرائيل مزيدًا من الذرائع لمواصلة حربها، فيما لا يستطيع رئيس الجمهورية أن يقف شاهد زور على تدمير البلد، أو أن يترك اللبنانيين أسرى قرار عسكري خارج مؤسسات الدولة.
من هذا المنطلق، لم يكن استحضاره العام 1969 استعراضًا تاريخيّا، عندما قال: “إننا سئمنا هذا الوضع منذ العام 1969. نريد أن نعيش في سلام، ويستحق اللبنانيون ألا يروا منازلهم تُدمّر كل 5 أو 10 سنوات”. فهذه الإشارة تربط الأزمة الحالية بمسار طويل من مصادرة القرار اللبناني، بدأ مع السلاح الفلسطيني و”اتفاق القاهرة”، ووصل إلى سلاح “الحزب” والوصاية الإيرانية. والرسالة واضحة: حان وقت كسر هذه الحلقة.