.jpg)
بقلم نائب رئيس الحكومة السابق النائب غسان حاصباني – اخبار اليوم
تواجه إيران اليوم تحديًا يتجاوز الخسائر الاقتصادية المباشرة الناتجة عن تراجع صادرات النفط. فالمشكلة لم تعد محصورة في انخفاض الإيرادات أو تقلص تدفقات النقد الأجنبي، بل أصبحت مرتبطة بقدرة القطاع النفطي نفسه على المحافظة على كفاءته الإنتاجية مع استمرار القيود المفروضة على التصدير لفترات طويلة.
في المراحل الأولى لأي أزمة من هذا النوع، تستطيع الحقول النفطية تحمل عمليات خفض الإنتاج أو الإغلاق الموقت دون أضرار كبيرة. إلا أن استمرار هذه الحالة لأشهر متتالية يرفع تدريجيًا من المخاطر التشغيلية والفنية، ويزيد من احتمالات تراجع كفاءة بعض الحقول، خصوصًا الحقول الناضجة التي تعتمد على إدارة دقيقة للضغوط والتدفقات داخل المكامن النفطية.
ومع مرور الوقت، تتراكم المشكلات الفنية المرتبطة بتوقف الإنتاج، وترتفع كلفة إعادة تشغيل الآبار واستعادة مستويات الإنتاج السابقة. وفي حال امتدت الأزمة لفترة طويلة، قد لا تقتصر الخسائر على الإيرادات الحالية، بل قد تشمل جزءًا من القدرة الإنتاجية المستقبلية نفسها، وهو ما يعني خسارة استراتيجية تتجاوز آثارها الأزمة الراهنة.
سياسيًا، يضع هذا الواقع القيادة الإيرانية أمام معادلة معقدة. فمن جهة، فإن الاستمرار في الحصار يكلفها ٣٠ مليار دولار كل ثلاثة أشهر، وتدهور في قدرتها لاعادة الانتاج توازي ٢٠٪، اما كلفة الحصار على الولايات المتحدة لا تتجاوز ٢،٥ مليار دولار. ومن جهة أخرى، فالمواجهة العسكرية تتسبب بكلفة متوازية على الطرفين مايضع ضغطا أكبر على الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة مما يعزز موقف ايران التفاوضي بالرغم من الكلفة العالية.
تكمن أهمية هذه المعادلة في أن الخسائر الاقتصادية قصيرة الأجل يمكن تعويضها مع الوقت، أما تآكل القدرة الإنتاجية أو تراجع جاذبية القطاع النفطي للاستثمار وإعادة التطوير فقد تكون آثاره أطول عمرًا وأكثر صعوبة في المعالجة. لذلك فإن عنصر الوقت لا يشكل مجرد عامل اقتصادي في الأزمة، بل يتحول إلى عنصر ضغط سياسي واستراتيجي يدفع ايران إلى إعادة حساباتها كلما طال أمد المواجهة.
في هذا السياق، قد لا يكون السؤال الحاسم هو ما إذا كانت إيران قادرة على تحمل الضغوط الحالية، بل إلى أي مدى تستطيع تحملها قبل أن تصبح كلفة الانتظار أعلى من كلفة تقديم تنازلات محدودة على طاولة التفاوض. فكل شهر إضافي من القيود يضيف عبئًا جديدًا على الاقتصاد، ويقرب الأزمة خطوة أخرى من التحول من خسائر مؤقتة إلى تحديات طويلة الأمد يصعب عكس آثارها.
بالتالي، فإن الخيارات المتاحة أمام إيران تضيق تدريجيًا بين مسارين: الأول هو الاستمرار في تحمل الخسائر مع تزايد التدهور في قدرة استعادة كامل الانتاج النفطي، والثاني هو القبول بتسوية تفاوضية تتضمن تنازلات في بعض الملفات الأساسية مقابل تخفيف الضغوط واستعادة القدرة على تصدير النفط بصورة طبيعية. في الحالتين، تكون ايران خاسرة وفي وارد التنازل مع مرور الوقت، كما يمكن للولايات المتحدة ان تنتظر وقتا أطول. أما في حالة الحرب، فيكون الضغط متوازيا على الطرفين. وهذا ما يفسر سعي ايران لإعادة إشعال المواجهة بأي ذريعة للضغط على واشنطن، مستخدمة حزب الله للتصعيد. وإذا نجحت في ذلك، سيدفع لبنان من جديد ثمن تعزيز الموقف الإيراني عبر التصعيد العسكري باستخدام ورقة حزب الله في لبنان لاستدراج إسرائيل إلى المواجهة من جديد.
.jpg)
