.jpg)
مجدداً انزلقت المنطقة نحو تصعيد عسكري هو الأكثر خطورة منذ هدنة الثامن من نيسان الماضي، بعدما أطاحت الصواريخ المتبادلة بين طهران وتل أبيب بالخطوط الحمر و”قواعد الاشتباك” طوال هذه الفترة، لتتحول الساحة اللبنانية إلى الضحية الأولى لجنون فائض القوة الإيراني ولعبة الابتزاز على طاولة المفاوضات؛ إذ تصر قيادة الحرس الثوري على مصادرة القرار السيادي اللبناني وتحويل دماء المواطنين وركام منازلهم إلى مجرد أوراق تفاوضية محترقة لتعزيز شروط طهران الإقليمية، ضاربةً بعرض الحائط المساعي الدبلوماسية الدولية كافة لإنقاذ ما تبقى من كيان الدولة اللبنانية ومؤسساتها.
في هذا السياق، يشير الكاتب والمحلل السياسي، أسعد بشارة، إلى أنه “منذ البداية، حينما بدأت المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية، ناصبتها إيران العداء، وكلّفت “الحزب” بأن يُدمّر هذه المفاوضات ويبذل كل الجهود لتفشيلها. وهذا لا يكون إلا عبر التصعيد العسكري”.
يضيف بشارة عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني: “لذلك، كان من الواضح أن الحرس الثوري الإيراني رفض التفاهم اللبناني ـ الإسرائيلي ونتائج الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل والبيان الثلاثي المشترك (اللبناني ـ الإسرائيلي ـ الأميركي) الذي صدر على إثرها، قبل “الحزب”، وأوعز إليه بأن ينسف هذا التفاهم من خلال ضرب المستوطنات الإسرائيلية في الشمال؛ ما حدا بإسرائيل إلى تنفيذ تهديدها بضرب الضاحية الجنوبية لبيروت وتسجيل الرد الإيراني”.
يتابع بشارة: “الحسابات الإيرانية تقوم على أن هناك تراخياً في الموقف الأميركي، وأن هذه هي اللحظة المناسبة لتحسين الشروط عبر تطوير عمليات “الحزب”. لكن من الواضح أنه بين الولايات المتحدة وإسرائيل هناك، على الرغم من بعض الخلاف التكتيكي، تفاهم عميق على الأهداف”.
بناء على ذلك، يرى بشارة أن “مسار هذه الجولة الجديدة من المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران يمكن أن يأخذ شكلاً من أشكال تدمير البنى التحتية الإيرانية، وإيصال إيران إلى عودتها إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة بوضع أضعف بكثير ممّا كانت عليه قبل هذه الجولة. لكن، وبالعودة إلى الملف اللبناني، لبنان يدفع ثمن النفوذ الإيراني من دم أبنائه ومن دماره، وإيران مصرّة على إبقائه في سجنها الكبير إلى النهاية”.
إذاً، يتضح من القراءة الميدانية المتسارعة أن طهران أخطأت تماماً في تقدير حجم الاندفاعة الأميركية الجديدة، ولم تستوعب أن الضوء الأخضر الممنوح لتل أبيب يتجاوز الردود الموضعية إلى تنسيق كامل لإعادة صياغة توازنات الشرق الأوسط.
من هنا، إن الغطاء العملياتي والسياسي الذي تؤمنه واشنطن حالياً، ضمن “الحدود التي يرسمها ترامب”، لا يستهدف فقط تقليم أظافر الفصائل المسلحة في لبنان، بل يمهّد الطريق لتعرية الداخل الإيراني عسكرياً واقتصادياً، حيث باتت المنشآت الحيوية ومراكز الطاقة في عمق إيران تحت المجهر الاستراتيجي المباشر.
وبالتالي، إن هذا الالتزام الأعمى الذي يبديه “الحزب” بأوامر طهران، يضع اللبنانيين أمام خيار تاريخي ووجودي لا يحتمل التردد؛ فاستمرار ربط مصير العاصمة بيروت والجنوب بحسابات البقاء والامتيازات المادية للحرس الثوري، لن يؤدي إلا إلى استكمال المحرقة وتعميق المأساة الإنسانية.
ولذلك، إن الانعتاق من قيد هذا السجن الإيراني الكبير، الذي أشار إليه الكاتب بشارة، بات يتطلب انتفاضة دستورية وتنفيذية شاملة من القوى الشرعية والسيادية لحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها وبسط سلطة الجيش والقوى الأمنية، والتصميم والانخراط أكثر في مسار المفاوضات المباشرة كسبيل وحيد لوقف استباحة السيادة ومنع تصفية الحسابات الدولية على حساب جثث اللبنانيين ومستقبل أبنائهم.
