.jpg)
في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، تبدو الساحة اللبنانية أمام مفترق سياسي وأمني حاسمين. فالتصعيد الإسرائيلي ـ الإيراني الذي كاد أن يفتح أبواب المنطقة على مواجهة واسعة، انتهى عملياً إلى نتيجة معاكسة لما كانت تسعى إليه طهران: تثبيت الفصل بين الجبهة اللبنانية والمواجهة الإيرانية ـ الإسرائيلية، وإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية، بوصفها المرجعية الوحيدة المخوّلة إدارة الحرب والسلم والتفاوض.
وفيما انشغلت العواصم بمتابعة الساعات الساخنة التي أعقبت الضربات المتبادلة، كانت واشنطن تدفع في اتجاه مختلف تماماً: حماية المسار التفاوضي اللبناني ـ الإسرائيلي ومنع انهياره تحت ضغط الميدان. ومن هنا اكتسبت جولة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى على الرؤساء جوزيف عون ونبيه بري ونواف سلام أهمية استثنائية، باعتبارها أول ترجمة سياسية مباشرة لما انتهت إليه مباحثات «واشنطن 4» من تفاهمات أولية حول وقف النار وترتيبات المرحلة المقبلة.
تقول مراجع ديبلوماسية واسعة الإطلاع لـ”الجمهورية”، إنّ ما صدر عن السفير الأميركي يستحق التوقف عنده بدقة، لأنّ عيسى “يعرف تماماً ما يقول ويختار عباراته بعناية”، مشيرة إلى أنّ كثافة الرسائل التي أطلقها بعد لقاءاته الثلاثة، تعكس قراراً أميركياً واضحاً بالدفاع عن التفاهمات التي أُنجزت في واشنطن وتذليل العقبات التي ظهرت في طريقها.
سقوط معادلة الربط
وفي هذا السياق، يرى مصدر حكومي لـ”الجمهورية”، أنّ التطورات العسكرية خلال اليومين الماضيين أسقطت عملياً المحاولة الإيرانية لربط الساحة اللبنانية مباشرة بمعادلة الردع بين طهران وتل أبيب.
يقول المصدر، إنّ الوقائع الميدانية والتدخّل الأميركي المباشر أعادا تثبيت قواعد اشتباك مختلفة كلياً عمّا كانت إيران تسعى إليه، بحيث سقطت عملياً معادلة “قصف الضاحية مقابل قصف إيران لإسرائيل”، لتحلّ مكانها معادلة كانت الدولة اللبنانية قد ناقشتها خلال المفاوضات الجارية، وتقوم على تثبيت وقف النار بين بيروت وشمال إسرائيل ومنع توسيع المواجهة.
يضيف المصدر، أنّ الإدارة الأميركية ركّزت على احتواء الصراع داخل إطاره الإيراني ـ الإسرائيلي، ومنعت تحويل لبنان منصة إلزامية للردّ الإيراني. كما أنّ إسرائيل، رغم تنفيذها ضربات داخل إيران، لم تُقرّ بأي معادلة تربط تلقائياً بين بيروت وتل أبيب، بل أبقت أي ردّ محتمل ضمن الساحة اللبنانية نفسها، تحت سقف الضوابط الأميركية التي تمنع توسّع الحرب إقليمياً.
لا ينكر المصدر أنّ إيران حاولت إظهار نفسها في موقع المدافع عن “الحزب”، إلاّ أنّها لم تنجح في فرض قواعد اشتباك جديدة، لأنّ كلاً من طهران وواشنطن لا يريدان العودة إلى حرب مفتوحة، لأسباب تتصل بحساباتهما الداخلية والإقليمية.
