صحيفة النهار – علي حمادة
إذا كان النظام الإيراني يعوّل على التصعيد الأخير مع إسرائيل وسيلةً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من نفوذ في لبنان، فهو واهم جدا، باعتبار أن الرافعة التي كان يمثلها “الحزب” في الساحة اللبنانية هي في حال تراجع مستمر. إضافة إلى ذلك، المواقف العالية السقوف التي أدلى بها كل من رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ضد التدخلات الإيرانية ستعزز اقتناعات الأكثرية الساحقة في لبنان الرافضة لإيران بعدما سئمتها هي ونظامها وثورتها وشعاراتها وحزبها المحلي.
هذا الحزب المتهور رفض ويرفض الاستفادة من دروس المرحلة المتغيّرة في لبنان والمنطقة. وإطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل لتسجيل موقف لا يحمي الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، بل يفاقم وضعها ويعرّضها لاستهدافات أكثر قساوة. كما أن حفنة الصواريخ الإيرانية على إسرائيل لن توقف العملية البرية الإسرائيلية التي تعدت منطقة جنوب نهر الليطاني، ووصلت إلى أبواب مدينة النبطية التي تعدّ أهم الحواضر الشيعية في لبنان. أكثر من ذلك، يمكن القول إن الحزب بتبعيته العمياء للنظام في إيران يستدرج مزيدا من الحروب الخارجية بما يزيد بؤس اللبنانيين، وفي مقدمهم البيئة الحاضنة النازحة المشتتة خارج أرضها إلى أجل غير مسمى.
كلما ضاعفت إيران تدخلاتها في لبنان، ابتعد عنها اللبنانيون، وارتفع منسوب الشقاء في الوسط المؤيد لها عبر “الحزب”. فأكثر من ألف كلم مربع تحت الاحتلال، والآتي أعظم. وحجم الخسائر البشرية يقرع أبواب الـ4000 ضحية، والتدمير المنهجي للبلدات والقرى الجنوبية على أشدّه، مما سيطيل فترة النزوح لتصل إلى أعوام عدة، حتى لو توافرت كل الظروف المساعدة والإمكانات المادية!
في النهاية، إن إيران التي سيطرت من خلال سطوة “الحزب” وسلاحه في الداخل اللبناني لن تستعيد نفوذها عبر افتعال حروب على أرض لبنان وبدماء لبنانية. و”الحزب” لن يعود إلى حكم لبنان على النحو الذي كان قائماَ في العقدين الأخيرين. والقوى والشخصيات التي تواطأت في الماضي مع الحزب، انتقلت وستنتقل إلى الضفة الأخرى ولن تنظر إلى الخلف.
إن من يتابع التصعيد الإيراني – الإسرائيلي، وذريعته من جانب إيران “نصرة” لبنان، سرعان ما يدرك أن النظام الإيراني يستميت من أجل تحقيق ثلاثة أهداف: إحياء نفوذه في لبنان، وإنقاذ حزبه من هزيمة عسكرية جديدة على الأرض ونزع سلاحه، وأخيراً وليس آخراً إجهاض المسار التفاوضي اللبناني – الإسرائيلي المباشر برعاية الأميركيين. ولذلك يُتوقع أن تبقى المواجهة الحالية مضبوطة الإيقاع، وألا تذهب طهران بعيدا في الاشتباك الحالي، مخافة أن تستدرج الولايات المتحدة إلى حرب جديدة على أرضها.
جلّ ما تريده إيران هو تحقيق مكاسب في لبنان، وتحريك مشروع التفاهمات في منصة “إسلام آباد”، وأهمها المرتبطة بالجانب المالي: انتزاع جزء من الأصول الإيرانية المجمدة في أسرع وقت، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، وإطلاق مسار رفع العقوبات الأميركية عنها.