
كشفت جولة التصعيد الخاطفة والمتبادلة بين طهران وتل أبيب عن عمق الهواجس المقلقة التي تحكم حسابات الطرفين تجاه استراتيجية واشنطن الجديدة، غير أن مسارعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى وضع خطوط حمر صارمة “فرملت الانفجار”، وأثبتت بالوقائع الميدانية والدبلوماسية أن قطار التفاوض والتسوية وفصل المسارات الذي يقوده لبنان السيادي، برعاية أميركية، بات محصناً بالكامل بقرارات حاسمة ولا تراجع عنه.
في هذا السياق، يرى الكاتب السياسي، قاسم يوسف، أن الاشتباك المحدود الذي حصل بين إسرائيل وإيران يمكن تسميته “حرب الهواجس”، وهذه المعركة كانت منتظرة بين هاجسين:
ـ الأول، هاجس إسرائيلي، ويعود إلى خوف إسرائيلي عميق من اتفاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران بما لا يُحقق طموحات تل أبيب: وبالتالي، ربما الاتفاق الذي يُحكى عنه يوتر الجانب الإسرائيلي بشكل كبير. ولذلك، حصلت هذه المحاولة لتوتير الوضع الإسرائيلي ـ الإيراني وإدخال الولايات المتحدة مجدداً في دائرة الاشتباك وبالتالي تطيير الاتفاق المحتمل، لكن هذه المحاولة لم تنجح.
ـ الثاني، هاجس إيراني. إيران تشعر بشكل واضح أن الورقة اللبنانية تُسحب من يدها؛ سُحبت أولاً بفصل المسارات، وثانياً بذهاب الوفد اللبناني المفاوض نحو توقيع اتفاق ثلاثي مع إسرائيل بضمانة الولايات المتحدة فقط من دون شريك. وبالتالي، شعرت إيران بشكل مباشر أن الورقة اللبنانية سُحبت من يدها فأرادت أن توجّه رسالة بالغة الوضوح:
أولاً، للشيعة اللبنانيين وخصوصاً من مناصري “الحزب” الذين شعروا بشكل مباشر أن إيران تخلّت عنهم؛ وثانياً، للدولة اللبنانية ولرئيس الجمهورية جوزيف عون تحديداً، وثالثاً للولايات المتحدة وإسرائيل؛ لتقول إن الورقة اللبنانية لا تزال جزءاً لا يتجزأ من أوراقها الاستراتيجية في المنطقة وأنها لم تتخلَّ عن وحدة الساحات، بدليل أنها تحركت رداً على ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت وأن الساحة اليمنية أيضاً تحركت، وبالتالي، إعادة الاعتبار إلى مشروع انتهى ومات لكن طهران تحاول إبقاءه في حالة الموت السريري أو على الأوكسيجين.
يضيف يوسف، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني: “هي حرب الهواجس، انتهت بسرعة لأن الولايات المتحدة لم تنخرط فيها، وترامب قال بوضوح لنتنياهو “إذا أردت أن تذهب نحو حرب وتوسيعها مع إيران فستكون وحيداً”. بالتالي، فهم نتنياهو الرسالة بأن ترامب لا يريد الذهاب نحو حرب جديدة في المنطقة ويحرص على الوصول إلى اتفاق سياسي مع إيران”.
من هنا، يتابع يوسف: “انتهت مسألة فرض أمر واقع من قبل إسرائيل، وانتهت أيضاً في المقابل مسالة فرض أمر واقع من قبل إيران؛ على اعتبار أن الدولة اللبنانية ماضية في مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وماضية في الاتفاق الثلاثي الذي وقّعته مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة”.
يوسف يلفت في هذا السياق إلى كلام الرئيس جوزيف عون، شديد الوضوح، والموجّه إلى إيران بشكل خاص؛ إذ ذكّر المسؤولين الإيرانيين بأن “لبنان بلد سيادي ولديه حكومة سيادية، وإذا أردتم الحديث معنا فأهلاً وسهلاً بكم، ولكن من دون تدخل.. حان الوقت لإدراك هذا الواقع، لا يحق لكم التدخل في شؤوننا الداخلية، إن دولاً أخرى تحاول مساعدتنا، ولكن أنتم لا تفعلون ذلك، بل تحاولون تدمير البلد من أجل مصالحكم”.
يوسف يؤكد، أن مسألة فصل مسارات المفاوضات أخذت السكة الصحيحة ولا إمكانية للعودة إلى الوراء. تحاول إسرائيل وتحاول إيران تخريب هذا الواقع، كل لأسبابه الخاصة، لكن لا إمكانية لـ”الخربطة” في هذا السياق، أقله في المدى المنظور وبالاستناد إلى الوقائع، لا قدرة لأحد على التخريب.
وللدلالة على ذلك، يشير يوسف إلى أنه حين أيقنت إيران وإسرائيل أن لا أفق على الإطلاق من أي تصعيد عسكري لتحقيق مكاسب سياسية، قرّرتا وقف الحرب. لكن يوسف يلفت إلى أن الهواجس الإسرائيلية والإيرانية كبيرة ولا تزال موجودة، لكن ترامب يفرض أمراً واقعاً على الجميع ولا إمكانية لأحد لتخطيه في الوقت الراهن.
