صحيفة نداء الوطن – رفيق خوري
ليس أخطر من الاحتلال الإسرائيلي للجنوب بعد حرب الإسناد لغزة وإيران سوى ربط لبنان بالجمهورية الإسلامية في رهان على مواجهته وإزالته.
والأخطر هو بناء الحسابات الاستراتيجية على موازين قوى تتصور طهران وأذرعها أنها تبدلت لمصلحتها بعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية. أما فك الارتباط الذي دقت ساعته في قصر بعبدا والسراي الحكومي بدعم أميركي وسعودي في مفاوضات واشنطن، فإن معركته ليست قصيرة. وأما الموقف القوي لرئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ومجلس الوزراء والأكثرية الشعبية، فإن إطلاق النار عليه من الحرس الثوري الإيراني و”الحزب” ليس من المفاجآت. والمعركة أبعد من الربط والفك في التفاوض على وقف النار بين مفاوضات واشنطن أو مفاوضات إسلام آباد. وإذا كان اللاعب الأميركي يمسك باللعبتين، فإن اللاعب الإيراني الحاضر في إسلام آباد حاضر بالتعطيل من خارج اللعبة في واشنطن، وبالتالي في بيروت.
ذلك أن عنوان لبنان بالنسبة إلى ملالي إيران هو “الحزب” ودوره. و”المقاومة الإسلامية” في البلدان العربية هي اسم مستعار لأذرع الحرس الثوري الإيراني. والأذرع هي فصائل مسلحة إيديولوجية مذهبية تعمل، سواء ضد إسرائيل أو أميركا أو الأنظمة العربية، ضمن استراتيجية الأمن القومي الإيراني، ولها مهمتان أساسيتان: “الدفاع المتقدم” لحماية الجمهورية الإسلامية، وتحضير الأرض والبيئات لنجاح المشروع الإقليمي الإيراني. ولا أحد يجهل أن الحرس الثوري يعمل مباشرة في لبنان. وهو عمل مع “الحزب” وفصائل عراقية وأفغانية وباكستانية في سوريا، ويستخدم الحوثيين في اليمن والحشد الشعبي في العراق في معارك بالنيابة عنه، فضلا عن دوره مع “حماس والجهاد الإسلامي” في غزة. ولا شيء يمنع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من الرد على رئيس الجمهورية الذي أعاد التذكير بأن “لبنان بلدنا لا بلد الحرس الثوري”. فالحرس يتصرف كأن لبنان بلده من خلال “الحزب”. ولبنان أكثر من مجرد ورقة تستخدمها طهران لمصلحتها في الألعاب الإقليمية والدولية.
وليس أمرًا قليل الدلالة أن يتقدم الربط مع إيران على الارتباط بلبنان والمصلحة الوطنية اللبنانية العليا. فالانقسام العمودي الحاد بين اللبنانيين يتجاوز كل الخلافات السياسية ويصل إلى تصوير سحب السلاح غير الشرعي بأنه تهديد “وجودي” لطائفة تشكو بقية الطوائف من “فائض القوة” الذي يستخدمه “الثنائي الشيعي” في السيطرة على مفاصل السلطة. والبلد يواجه بشكل واضح وحاسم، من دون قفازات ولا ظلال على الصورة، السير في أحد طريقين: طريق لبنان “الإيراني” إلى “الحرب الدائمة” مع العدو الإسرائيلي، وطريق لبنان العربي المدعوم أميركيًا وأوروبيًا إلى “السلام المستدام” مع إسرائيل. ولا مجال لحل وسط في اتجاهين متعاكسين، ولا للغمغمة والمواقف الرمادية.
وإذا كان طريق السلام المستدام الذي يستحقه اللبنانيون بعد نصف قرن من الحروب الأهلية والإقليمية والدولية على أرضهم شاقًا ومتعرجًا، فإن طريق الحرب الدائمة مهلك وقاتل. وهي حرب لا تنتهي بانسحاب الاحتلال، فلم تنته بانسحاب عام 2000، ولا تقود إلى تحرير فلسطين بإزالة إسرائيل. وضد طبائع الأمور وقوة الأشياء أن يسيطر المشروع الإقليمي الإيراني على العالم العربي. وأبسط ما يعلمنا إياه درس الهجوم على مفاوضات واشنطن، بصرف النظر عما فيها من نواقص ومخاطر، هو أن إنقاذ لبنان ممنوع. لماذا؟ لأن ذلك يعرقل المشروع الإقليمي الإيراني وسط التركيز على “لبنان آخر”.
و”الأمر يبدو دائمًا مستحيلا حتى يحدث”، كما قال نيلسون مانديلا من خلال تجربته.
