Site icon Lebanese Forces Official Website

مطار الشمال نموذج اقتصادي متكامل لكل لبنان

صحيفة الجمهورية – البروفيسور ندى الملّاح البستانيّ

لا ينبغي النظر إلى إعادة تطوير مطار رينيه معوّض في القليعات على أنّه مجرّد إعادة افتتاح لمطار. كما لا ينبغي اختزاله في الصورة الرمزية لطائرة تهبط على مدرَّج بعد عقود من التأخير. فمغزاه الحقيقي يكمن في مكان آخر، أي في قدرته على أن يصبح محفّزاً للنشاط الاقتصادي، والترابط الإقليمي، والتنمية الأكثر توازناً في لبنان. ويُعدّ الإطلاق الرسمي للمشروع خطوة أولى مهمّة. ومع ذلك، لن يُقاس نجاح المطار في نهاية المطاف بالمراسم أو الإعلانات. بل سيُقاس بقدرته على توفير فرص العمل، جذب الاستثمارات، تسهيل التجارة، تحفيز السياحة، وربط شمال لبنان بشكل أشد فعالية بالاقتصاد الوطني والأسواق الإقليمية.

بقي النشاط الاقتصادي في لبنان لفترة طويلة جداً مركّزاً بشكل كبير في بيروت والمناطق المحيطة بها. وقد تسبَّبت هذه المركزية المفرطة في العديد من نقاط الضعف. فقد وضعت ضغطاً على البُنية التحتية للعاصمة، وزادت تكلفة النقل على سكان المناطق النائية، ووسّعت الفجوة بين بيروت والمدن التي لم تحصل على نصيبها العادل من الاستثمار الإنتاجي.

 

ويُظهر شمال لبنان، وعكّار خصوصاً، العواقب الاقتصادية لهذا الخلل. فالمنطقة تمتلك رأس المال البشري، والموارد الزراعية، وساحلاً طويلاً وموقعاً جغرافياً استراتيجياً وجاليات كبيرة في الشتات. ومع ذلك، استمرّت في المعاناة من محدودية البُنية التحتية، عدم كفاية فرص العمل، وضعف الاندماج في الشبكات الاقتصادية الرئيسية للبلاد.

 

يوفّر مطار رينيه معوّض فرصة للبدء في معالجة هذا الخلل، عن طريق مشروع ملموس للبنية التحتية. ويمكن أن يصبح بوابة لا للمسافرين وحسب، بل للشركات، والمزارعين، ومشغّلي السياحة، والمصدّرين والمستثمرين في جميع أنحاء شمال لبنان.

 

إنّ الغرض من هذا المطار ليس استبدال مطار بيروت، بل استكماله. فالبلد الذي يعتمد بشكل شبه كامل على مطار واحد يكون معرّضاً لخطر التعطّل في نقطة واحدة. فأيّ اضطراب، سواء كان بسبب مخاوف أمنية أو احتياجات صيانة، ازدحام تشغيلي، أو حالة طوارئ، يمكن أن يؤثّر على حركة الركّاب والبضائع والخدمات الأساسية. وفي اقتصاد يعتمد بشكل كبير على السياحة وزيارات المغتربين والسفر للأعمال، فإنّ الحفاظ على اتصال موثوق أمر بالغ الأهمّية.

 

إنّ إنشاء مطار ثانٍ يمنح لبنان مرونة تشغيلية إضافية، ويقلّل من المخاطر المرتبطة بالتركيز المفرط. كما يمكنه توزيع تدفّقات الركاب بشكل أشدّ كفاءة، ولا سيما في فترات ارتفاع الطلب عندما يعود آلاف أفراد الجالية اللبنانية إلى البلاد.

تتجاوز الفائدة الاقتصادية التخطيط للطوارئ. إذ يمكن لمطار تكميلي أن يخدم مسارات لا تشكّل بالضرورة أولوية لمحور العاصمة الأكبر. وقد يوفّر فرصاً للرحلات الإقليمية، وشركات الطيران منخفضة التكلفة، ومع مرور الوقت، عمليات الشحن المتكيّفة مع احتياجات منطقة شمال لبنان.

 

كما لا يمكن لمطار أن يحقّق قيمته الاقتصادية الكاملة إذا كان يعمل بمعزل عن غيره. فالجانب الأشدّ جذباً في مشروع القليعات هو إمكانية تكامله مع الأصول الاقتصادية الأُخرى في شمال لبنان. فيُعدّ ميناء طرابلس أحد المزايا الاستراتيجية الرئيسية للمنطقة. ويمكنه أن يؤدّي دوراً متزايداً في التجارة البحرية واللوجستيات والخدمات. كما توفّر المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس إطاراً لجذب الأنشطة الإنتاجية، تشجيع الاستثمار، وإيجاد بيئة أكثر ملاءمة لتطوير الأعمال. ويمثّل معرض رشيد كرامي الدولي، بقيمته المعمارية والثقافية، رصيداً مهمّاً آخر، يمكن أن يساهم في إحياء طرابلس كوجهة للفعاليات والمعارض والتبادل الاقتصادي.

 

من دون أن ننسى أنّ منطقة عكار وشمال لبنان تتمتّع بهوية زراعية قوية. فيساهم المزارعون ومنتجو الأغذية الزراعية بشكل كبير في الحياة الاقتصادية المحلية، لكنّهم غالباً ما يواجهون عوائق تتعلّق بتكاليف النقل والوصول إلى الأسواق والتخزين وتسليم المنتجات في الوقت المناسب.

 

كما لا ينبغي التعامل مع هذه العناصر على أنّها مشاريع منفصلة. فسيبقى تأثيرها محدوداً إذا طُوِّرت كلّ منها على حِدة. وينبغي اعتبار المطار والميناء والمنطقة الاقتصادية الخاصة وموقع المعارض أجزاءً من ممر اقتصادي متكامل في الشمال. فيمكن لمثل هذا الممر أن يدعم شركات الخدمات اللوجستية، مرافق التخزين، شركات تجهيز الأغذية، الخدمات التكنولوجية، الشركات الموجَّهة للتصدير، الفنادق، المطاعم، ومقدّمي خدمات النقل. ويمكن أن يشجّع المستثمرين على النظر إلى شمال لبنان، ليس كمنطقة هامشية بل كمنصة متصلة تتمتع بإمكانية الوصول إلى الطرق الجوّية والبحرية والبرية.

 

من ناحية أُخرى، غالباً ما تركّز المناقشات العامة حول المطارات على التوظيف المباشر: الخدمات الأرضية، الأمن، مساعدة الركاب، الصيانة، الإدارة، والخدمات الفنية. هذه الوظائف مهمّة، ولا سيما في منطقة يكافح فيها العديد من الشباب للعثور على فرص عمل مستقرة. ومع ذلك، قد تأتي أكبر مساهمة اقتصادية من النظام الأوسع الذي يتطوَّر حول منطقة المطار.

 

إذ يوجِد وصول الركاب طلباً على سيارات الأجرة، الحافلات، تأجير السيارات، المطاعم، الإقامة في الفنادق، والتجارة. كما تحتاج شركات الطيران ومشغّلي المطارات إلى مورّدين وخدمات تنظيف وتقديم الطعام والصيانة والدعم الرقمي. كما توفّر الأنشطة السياحية فرصاً للمرشدين السياحيّين، دور الضيافة، وكالات السفر، المبادرات الثقافية، والمنتجين المحليّين. كذلك، تولّد العمليات اللوجستية طلباً على خدمات النقل، التخزين، التعبئة، والخدمات المتعلّقة بالجمارك.

 

لذلك، يمكن لكل نشاط جديد أن يدعم أعمالاً أُخرى بمبدأ المضاعف الاقتصادي: الاستثمار في البنية التحتية يخلق قيمة ليس فقط بعملياته المباشرة، بل أيضاً بالإنفاق والخدمات والمشاريع التي يحفّزها. وهذا مهمّ خصوصاً للشركات الصغيرة والمتوسطة، فهي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني.

 

سيعتمد الأثر الاقتصادي للمطار على جودة تنفيذه. وثمّة شروط عديدة أولها سهولة الوصول. فيجب تحسين الطرق. والنظر في توفير وسائل نقل عام موثوقة. وأيضاً التكامل، فيكون المطار مرتبطاً بشكل استراتيجي بميناء طرابلس، المنطقة الاقتصادية الخاصة، المبادرات السياحية، التعاونيات الزراعية، والشركات المحلية. يُضاف إليها الشفافية. إذ يتوجّب أن يخضع المشروع لقواعد واضحة وأهداف قابلة للقياس ومساءلة عامة.

 

ختاماً، لا ينبغي تقديم مطار رينيه معوّض كحل سحري. فلا يمكن لمشروع بنية تحتية واحد أن يحل التحدّيات الهيكلية التي تواجه شمال لبنان أو الاقتصاد اللبناني بشكل عام. ومع ذلك، يمكن أن يصبح نقطة تحوُّل مهمّة، ولا يكون محطّة تشتِّت أنظار اللبنانيّين عن جنوبه المدمَّر نحو شمال واعد بالمشاريع… فلبناننا بجنوبه وشماله وكل بقاعه وبحاره كما سمائه، واعدٌ بالمشاريع والاستثمارات والنمو، ويستحق كل الاهتمام والعمران والتخطيط.

Exit mobile version