Site icon Lebanese Forces Official Website

واشنطن تضع لبنان أمام اختبار حصرية القرار الوطني

في بيروت، لا تبدو جولة الـ22 من حزيران محطة تفاوضية عادية، بل اختبارا لعودة الدولة إلى مقعدها الطبيعي في تقرير الحدود، والسلاح والحرب والسلم. فرئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، يحاول نقل النقاش من صخب المزايدات إلى منطق المؤسسات، ومن ذاكرة الوصايات إلى منطق السيادة. لبنان الذي أرهقته الحروب بالوكالة لم يعد يملك ترف انتظار خرائط الآخرين، ولا قدرة على دفع أثمان قرارات تُتخذ خارجه. لذلك يصبح التفاوض، حين تقوده الدولة، فعلاً سيادياً لا إشارة ضعف، ويصبح الجيش معيار الاستقرار لا تفصيلاً تقنياً في محاضر المفاوضين. وهنا تكمن استراتيجية عون: تحويل الألم الوطني إلى سياسة مسؤولة تردّ لبنان إلى نفسه وقراره أولاً.

كشفت مصادر حكومية لـ”الجمهورية” عن أنّ جولة واشنطن بين لبنان وإسرائيل ستأخذ طابعاً عسكرياً تنفيذياً، لا سياسياً استعراضياً، لأنّها ستذهب إلى التفاصيل التي تصنع الاستقرار أو تفشله: المناطق التجريبية، خطوط الانسحاب، تقليص الطلعات الجوية، قواعد حرية الطيران، دعم الجيش، وآليات المراقبة الدولية.

هذه العناوين ليست تقنية باردة، بل ترجمة عملية لسؤال السيادة. مَن يراقب الالتزام بوقف إطلاق النار؟ كيف يتمّ ملء الفراغ؟ ومَن يملك حق القول إنّ الحرب انتهت أو ستعود؟ إذا نجحت الدولة في انتزاع الأجوبة من داخل المؤسسات، يصبح التفاوض باباً لاستعادة القرار، لا ممراً لتكريس الأمر الواقع مجدداً على الحدود والداخل. في مرحلة لا ترحم الارتباك الوطني أبداً اليوم.

فالرئيس عون لا يطرح المفاوضات بوصفها قفزة في المجهول، بل بوصفها استعادة متدرجة لوظيفة الدولة التي صودرت طويلاً باسم الضرورات. عندما يقول إنّ الهدف من واشنطن هو ألا يبقى اللبنانيون تابعين لأي كان، فهو لا يخاطب الخارج وحده، بل الداخل أيضاً. فالوصاية ليست فقط جيشاً غريباً أو سفارة نافذة؛ الوصاية قد تكون سلاحاً يتقدّم على الدستور، أو حزباً يفاوض ضمناً باسم البلاد، أو خوفاً يمنع اللبنانيين من تسمية حقهم في دولة واحدة. بهذا المعنى، يفتح عون مواجهة سياسية هادئة، لكنها عميقة، مع فكرة أنّ لبنان لا يستطيع العيش إلّا كمساحة نفوذ متنازع عليها. بين الآخرين مهما تبدّلت أسماؤهم وشعاراتهم ومصالحهم الخارجية.

أمام ممثلي المرجعيات الروحية، بدت رسالة بعبدا أكثر وضوحاً: لا وحدة وطنية خارج الدولة، ولا دولة تحت رحمة الغرائز الطائفية. تبنّي عون مضامين القمّة الروحية لم يكن مجاملة بروتوكولية، بل محاولة لإعادة وصل السلم الأهلي بالقرار السيادي. فالطائفية تصبح خطراً مضاعفاً عندما تتحول ستاراً لسلاح منفلت أو منصة لتخوين الشريك. ولبنان، كما قال الرئيس، لا يعيش إلّا بجناحيه المسيحي والمسلم؛ لكن هذا العيش لا يستقيم إذا ظل كل جناح أسيراً لخوفه، وكل طائفة تبحث عن حماية بديلة. الحماية الوحيدة الممكنة هي دولة عادلة، وجيش شرعي، ومؤسسات لا تخضع لابتزاز الشارع والسلاح. ولا تنكسر أمام الحسابات الفئوية في الأزمنة الصعبة جداً.

 

Exit mobile version