Site icon Lebanese Forces Official Website

لبنان في ميزانية الخارجية الأميركية… احتواء لا إنقاذ

صحيفة نداء الوطن – أمل شموني

 

تحمل وثيقة الميزانية المقترحة لوزارة الخارجية الأميركية المرفوعة إلى الكونغرس للسنة المالية 2027 رسالة واضحة بشأن لبنان: لا تزال واشنطن تعتبر بيروت ذات أهمية استراتيجية، لكنها تضيق نطاق شروط الانخراط فيها. فالولايات المتحدة تحافظ على دعمها للجوانب الأمنية البحتة، ومؤسسات الدولة الجوهرية، وإدارة الأزمات، في حين تتراجع عن منظومة المساعدات الأوسع التي كانت تدعم سابقا الإصلاح والتنمية والدبلوماسية متعددة الأطراف. وتقول مصادر أميركية إنه عمليا، تجري إعادة صياغة صورة لبنان في واشنطن، إذ لم يعد يُنظر إليه كمشروع لبناء الدولة، بل كمعضلة أمنية تتطلب الإدارة والاحتواء.

 

وتلفت المصادر إلى أن الإشارة الأوضح إلى استمرار إدراج لبنان في الميزانية تتمثل في القنوات الأمنية، إذ يتضمن طلب الميزانية للسنة المالية 2027 دعمًا للبنان في إطار برامج “مكافحة المخدرات الدولية وتنفيذ القانون” و”التعليم والتدريب العسكري الدولي”، مع ربط هذه المساعدة بتعزيز قدرات القوى الأمنية والجهات القضائية اللبنانية في مواجهة “الحزب” وغيره من الجماعات المصنفة “إرهابية”. ويؤكد ذلك أن الجيش ومؤسسات الدولة المرتبطة به تظل، في نظر واشنطن، القناة الرئيسية المقبولة للتأثير داخل لبنان، حتى مع تقلص حزمة المساعدات المدنية الأوسع. في هذا الإطار، يؤكد دبلوماسي أميركي لـ”نداء الوطن” أن الولايات المتحدة لن تغادر، بل ستبقى، ولكن بشروط أكثر محدودية.

 

وبالنسبة إلى بيروت، يقول الدبلوماسي الأميركي، يحمل هذا الأمر طابعًا مزدوجًا يجمع بين التطمين والتحذير. فالولايات المتحدة لن تتخلى عن قطاع الأمن اللبناني، لكن التحذير يكمن في أن الدعم لم يعد يُصوَّر كجهد لتحقيق الاستقرار الوطني الشامل، بل كأداة للضغط على الجماعات المسلحة وتعزيز احتكار الدولة استخدام القوة.

 

ويشير خبراء أميركيون إلى أنه يبدو أن واشنطن تعتقد بإمكانية تعزيز الدولة اللبنانية بشكل انتقائي، حتى وإن كان لبنان يعاني من انقسام سياسي يحول دون تعاف أوسع نطاقًا. ومع ذلك، يفترض هذا النهج أن المؤسسات اللبنانية قادرة على استيعاب الضغوط الخارجية من دون الحاجة إلى تسوية سياسية داخلية موازية؛ وهو افتراض ثبت مرارًا أنه هش وغير متماسك.

 

وقالت مصادر قريبة من البنتاغون إن ممارسات التعاون الأمني الأميركي الأخيرة تشير إلى التوجه ذاته. ففي عام 2025، وافقت واشنطن على حزمة مساعدات بقيمة 14.2 مليون دولار لمساعدة الجيش اللبناني في تفكيك مخابئ الأسلحة والبنية التحتية العسكرية التابعة لـ”الحزب” والجماعات الخارجة عن الدولة. كما قدمت الخارجية الأميركية مساعدات للبنان تتجاوز قيمتها 88.5 مليون دولار منذ عام 1998 لدعم جهود تدمير الأسلحة التقليدية. وتؤكد هذه الأرقام مجتمعة نهجًا يرتكز على الجيش باعتباره الأداة الرئيسية المدعومة أميركيًّا لاحتواء “الحزب” والحد من انتقال تداعيات الصراع إقليميًّا. في هذا الإطار، قال الدبلوماسي الأميركي إن هذه اللغة لا تمت بصلة إلى جهود إعادة الإعمار. إنها لغة “تحقيق الاستقرار بالقوة”.

 

غير أن القلق الأعمق يكمن فيما لم تغطّه الميزانية. فلفت دبلوماسي أميركي إلى أن ميزانية السنة المالية 2027 لم تتضمن أي تمويل أميركي جديد لبند “المساهمات في أنشطة حفظ السلام الدولية”، وهو الحساب الذي دعم تاريخيًّا المساهمات المقررة لبعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، بما في ذلك “اليونيفيل”. وهذا ينسجم مع التوجه الأميركي إلى عدم دعم الآليات متعددة الأطراف. وتأتي أهمية هذا البند في وقت تواجه فيه الدبلوماسية الأممية بشأن جنوب لبنان ضغوطًا متزايدة، وتواجه فيه الدبلوماسية اللبنانية قلقًا من الفراغ الذي ستتركه قوات حفظ السلام الدولية على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية. في هذا الإطار، أشارت مصادر أميركية إلى أنّ لبنان قد ينجرف بسرعة نحو مرحلة يُتوقع فيها أن تتحمل الدولة مسؤولية أكبر لا قدرة لها على تحملها، وذلك بسبب غياب العمق المؤسسي أو التوافق السياسي اللازمين للقيام بذلك.

 

يضيف خبراء أميركيون أن ذلك يخلق تداخلا خطيرًا بين اتجاهات عدّة: فالضغط العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان ومحيطه لا يزال شديدًا، والدولة اللبنانية لا تزال تفتقر إلى السيطرة الكاملة على المنطقة الحدودية، كما يبدو أن واشنطن تسعى للانتقال من وضع “الغطاء الدولي” إلى مرحلة تحميل لبنان المسؤولية، من دون توضيح كامل لخريطة طريق تضمن نجاح هذا الانتقال في ظل استمرار الأعمال القتالية. ولذا، قد تزداد أهمية الدعم الأميركي للمؤسسات اللبنانية بقدر ما تزداد هذه المؤسسات عرضة للمخاطر. فإذا طُلب من الجيش تحمل المزيد من الأعباء في ظل انقسام الطبقة السياسية وانهيار الاقتصاد، قد تقتصر المساعدة الأمنية في نهاية المطاف على إدارة التصعيد بدلا من بناء سلطة راسخة ومستدامة.

 

وتعتبر المصادر أنه إذا كان المسؤولون في لبنان يأملون أن تمهد الميزانية الطريق لحملة إعادة إعمار كبرى مدعومة من الولايات المتحدة، فسيصابون بخيبة أمل، إذ إن سياسة طلب المساعدات الخارجية الأوسع نطاقًا من واشنطن أقل بكثير مما كانت عليه في السنوات السابقة، كما أن الإدارة الأميركية تعمد إلى دمج أو إلغاء العديد من بنود التمويل المخصصة للتنمية، وتعزيز الديمقراطية، والدعم الاقتصادي المرن. وشدد دبلوماسي أميركي على أن دولا مثل الأردن ومصر تظل محورية في استراتيجية المساعدات الاقتصادية للمنطقة مقارنة بلبنان. وفي الوقت نفسه، لا يزال لبنان غارقا في انهيار مالي تاريخي، فيما تفترض سياسة الميزانية الأميركية فعليًّا أن أي تعاف حقيقي يجب أن يتحقق من خلال الاصلاحات، والتمويل متعدد الأطراف، وأن أي دعم إقليمي يمكن لبيروت استقطابه، لن يكون من خلال موجة جديدة من المساعدات المباشرة.

 

بالنسبة إلى لبنان، إذن، تُترجم ميزانية الخارجية الأميركية للسنة المالية 2027 إلى عقيدة أكثر تضييقًا ومحدودية تتمثل في دعم الجيش والمؤسسات الأمنية، وتجنّب الوعود بتقديم حزمة إنقاذ اقتصادي. من هنا، دعا الخبراء بيروت إلى الاستعداد لمستقبل يقل فيه الاعتماد على شبكات الأمان متعددة الأطراف. إنها سياسة مالية انتقائية ومشروطة من منظور واشنطن. وهي قد تبدو أميركيًّا سياسة منضبطة ماليًّا ومركّزة استراتيجيًّا، ولكن بالنسبة إلى لبنان، حيث تتشابك قضايا الأمن والشرعية والبقاء الاقتصادي بشكل معقد، تكمن المخاطرة في أن هذه الاستراتيجية تهدف فقط إلى تثبيت الجوانب الأكثر حدة في الأزمة، وبالتالي ستؤكد عدم كفايتها للتعامل مع الأزمة برمتها، بحسب ما قال أحد الدبلوماسيين الأميركيين.

 

Exit mobile version