#dfp #adsense

خاص ـ نهاية “لعنة المحور”: لبنان “يستقيل” من “وظيفة الساحة” (أمين القصيفي)

حجم الخط

يدخل لبنان اليوم منعطفاً تاريخياً حاسماً لإنهاء مأساة جيوسياسية مزمنة استمرت لقرابة ستة عقود، تمثلت في إصرار القوى الإقليمية وأدواتها المحلية على تجريد الكيان اللبناني من هويته كـ”وطن ودولة”، لتحويله إلى مجرد منصة مكشوفة وخط إمداد لخدمة صراعات الآخرين وتصفية حساباتهم العسكرية وتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب سيادته وكرامته وأمن اللبنانيين واستقرارهم وازدهارهم.

طوال تلك العقود السوداء، لم تقد الطرق التي فرضتها الفصائل المسلحة لخدمة المحاور الخارجية سوى إلى إنتاج نفق مظلم من الحروب العبثية والنزاعات المستمرة؛ التي استنزفت مقدرات اللبنانيين وهدرت دماء شبابهم تحت مسمّيات وشعارات أيديولوجية براقة تبيّن بعد كل هذه السنوات الطويلة السوداء كم كانت خادعة ومزيفة.

فتارة يُدفع بالبلاد نحو التهلكة تحت مسمى “طريق القدس”، وتارة أخرى تحت مسمّى “وحدة المسار والمصير” أو “جبهة الصمود والتصدي” أو “محور الممانعة”، ودائماً كانت الدولة والمؤسسات تُجبر على ارتداء ثوب “جبهات المواجهة” المتتالية بالوكالة؛ ما أدى في نهاية المطاف إلى سقوط الدولة في مستنقع الانهيار والمشاريع العابرة للحدود التي وقفت دائماً بالمرصاد ضد إرادة الاستقرار والازدهار التي لطالما تمسك بها الشعب اللبناني العاشق للحرية والحياة.

والآن، ينفتح أمام اللبنانيين أفق استثنائي لخلع هذا الثوب الميليشياوي بكل أطيافه، والمفروض بقوة الأمر الواقع منذ نحو 60 عاماً، وإغلاق هذا الممر الانتحاري إلى غير رجعة، مستفيدين من زلزال التحولات الجيوسياسية الضخمة التي أعادت رسم معالم المنطقة.

فالعمق السوري الذي شكل لسنوات طويلة الشريان اللوجستي الأساسي لمختلف فصائل التخريب والفوضى الميليشياوية، وأخيراً للمشروع التوسعي للجمهورية الإسلامية في إيران، انهار كلياً وتغيرت طبيعته مع السقوط المدوّي لنظام الأسد البائد وفرار بشار الأسد، في حين أن الشعب الفلسطيني بات اليوم يقود نضاله المشروع من داخل أرضه وعبر مؤسساته السياسية الشرعية، ما أسقط بالضربة القاضية الشمّاعات المفتعلة لعزل لبنان.

هذا الانكشاف التاريخي وضع الغالبية الساحقة من اللبنانيين أمام حقيقة دامغة مفادها، أن طهران الخميني والخامنئي هي المسؤولة الأولى والمباشرة عن تدمير بلدهم، وخنق اقتصادهم، وتهجير نخبهم، جراء تحويل لبنان، من خلال الأداة الإيرانية المحلية المتمثلة بـ”الحزب”، إلى حقل تجارب لحروب إسناد تخريبية لم تجلب للوطن سوى العزلة والدمار والخسائر البشرية والمادية والاقتصادية المتراكمة.

إن حالة الهذيان والإرباك الشامل التي تصيب دوائر النظام الإيراني وفصيله المسلح في لبنان، تعود بالدرجة الأولى إلى الاصطدام بجدار الموقف الرسمي الصلب الذي تميّز بـ”جرأة استثنائية” غير قابلة للكسر، لم يشهدها اللبنانيون منذ عقود، أقله منذ العام 1990، العام الذي كان يُفترض أنه عام نهاية الحرب وبداية إعادة بناء الدولة، قبل أن يتم الانقلاب على الدولة والدستور والطائف من قبل نظام الأسد وأتباعه؛ بالتكافل والتضامن وتوزيع الأدوار مع النظام الإيراني وأدواته.

نجح رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وإلى جانبهما غالبية حكومية ونيابية وسياسية وشعبية ساحقة، في صياغة معادلة سيادية واضحة، تقوم على لاءات حاسمة تؤكد أن قرار الحرب والسلم وحصر السلاح هو ملك حصري للدولة وجيشها الشرعي وقواها الأمنية، وأن لبنان لن يكون ورقة مقايضة رخيصة على طاولة الابتزاز الإيراني.

هذا الحسم الدستوري من قصر بعبدا والسرايا الحكومية، المدعوم بقرارات تنفيذية حازمة لإنهاء الوضعية الشاذة للميليشيا الإيرانية الخارجة عن القانون، وجَّه رسالة صارمة إلى العالم بأن زمن استباحة السيادة اللبنانية قد ولّى، وأن الشرعية باتت تفاوض عبر المسار الدبلوماسي المباشر بالأصالة عن شعبها وبما يحقق مصالحها الوطنية العليا، بعيداً عن لغة التهديد والتخوين الهابطة.

إذاً، يخوض لبنان اليوم الفصل الأخير من معركة استعادة الهوية والدولة، حيث لم يعد يفصل اللبنانيين عن معانقة الاستقلال الحقيقي سوى تفكيك سلاح وبنية “الحزب المتمرد” على الدستور والقانون منذ العام 1990. وسقف الطموح الوطني لا ينحصر في إدانة السلوك الإيراني التدميري فقط، بل يمتد بجرأة سيادية غير مسبوقة نحو تثبيت حق الدولة اللبنانية القانوني في مطالبة طهران بالتعويضات المالية والاقتصادية الكاملة عن كل الفواتير الباهظة والقرى المدمرة نتيجة تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة حرب بالوكالة تخدم مصالحها ونفوذها ومشاريعها التوسعية.

لقد دقت ساعة الحقيقة ليعود لبنان وطناً مستقلاً بذاته، يعيش لنفسه ولأبنائه، وينفض عن كاهله غبار عقود من الاستخدام الإقليمي، لتكون هذه المواجهة الدستورية السيادية الراهنة آخر المواجهات والمعارك لتثبيت سيادة الدولة والقانون، ولبناء المستقبل الزاهر وصناعة الاستقرار المستدام للأجيال الطالعة من اللبنانيين جميعاً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل