
أخطر ما يخسره “الحزب” اليوم ليس موقعًا عسكريًا في الجنوب، بل احتكار تفسير المفاهيم الوطنية: لم يعد وحده من يعرّف معنى السيادة والخيانة والمقاومة والكرامة. هذه هي النقلة التي تختصر اللحظة اللبنانية الراهنة. فالمعركة لم تعد فقط على الحدود، بل على حقّ تسمية ما يجري: هل هو دفاع عن لبنان، أم استنزاف للبنان؟ هل التفاوض خضوع، أم محاولة لاستعادة قرار الحرب من الذين صادروه؟
من هنا، لا يمكن قراءة حرب الجنوب كهامش عسكري في التوتر الأميركي الإيراني. ما يجري هو محاولة قاسية لإعادة تعريف موقع لبنان في المعادلة: هل يبقى ورقة داخل التفاوض الكبير بين واشنطن وطهران، أم يتحوّل إلى ملف وطني مستقل تفاوض عليه الدولة باسم اللبنانيين، لا باسم المحاور؟
إيران لا تريد وقف الحرب في لبنان كاستحقاق مستقل، بل كبند في صفقة أوسع. تريد أن يبقى “الحزب” أصلاً استراتيجيًا في بازار المنطقة، لا مشكلة لبنانية تحتاج حلاً لبنانيًا. في المقابل، تحاول واشنطن فصل المسار اللبناني عن الحساب الإيراني، لأن ربط الجنوب بمعادلة طهران يُبقي إسرائيل في منطق الاستباحة، والدولة اللبنانية في موقع المتفرج. غير أن التحذير الضروري هنا أن لبنان لا يجب أن يستبدل وصاية بوصاية، ولا أن يحوّل دعم السيادة إلى امتثال أعمى لشروط الخارج. المطلوب أن يستخدم الضغط الدولي لاستعادة الدولة، لا أن تتحول الدولة إلى واجهة لضغط لا تملك قراره.
حركة السفير الأميركي ميشال عيسى تجاه نبيه بري تُقرأ من هذه الزاوية تحديدًا. واشنطن تعرف أن لا تنفيذ لأي وقف نار من دون قناة شيعية قادرة على نقل الالتزام إلى بيئة “الحزب”. لكنها تريد تحويل هذه القناة من حق تعطيل إلى ممر إلزام. المطلوب من بري ليس أن يفاوض باسم لبنان، بل أن يجيب عن سؤال واحد: هل يستطيع الثنائي أن ينتقل من لغة الاعتراض إلى كلفة الالتزام؟ بري يعرف أن التوقيع على ما لا يملك شروطه قد يكون أثقل من الرفض، لذلك يراوغ ولا يقفل الباب. وواشنطن تعرف ذلك أيضًا، ولهذا تضغط من دون أن تكسر.
“المنطقة التجريبية” ليست جغرافيا، بل نموذج مصغّر عن لبنان الممكن: أرض تحت حماية الجيش، عودة أهلها بلا سلاح حزبي فوق رأسهم، وانسحاب إسرائيلي مقترن بسلطة دولة لا بفراغ جديد. نجاحها أو فشلها سيُحدد ما إذا كانت الدولة قادرة على إدارة الجنوب، أم أن الجنوب سيبقى ملفًا تديره عواصم أخرى وتدفع كلفته القرى اللبنانية.
أما كلام رئيس الجمهورية عن الاستمرار في التفاوض على الرغم من الضغوط، فهو أخطر سياسيًا مما يبدو. عون لا يقدّم خطاب تهدئة، بل يحاول انتزاع تعريف القرار الوطني من يد “الحزب”. حين يرفض العودة إلى زمن الوصايات، فهو لا يخاطب إيران وحدها ولا إسرائيل وحدها، بل كل من اعتاد التعامل مع لبنان كساحة قابلة للإدارة. التفاوض هنا ليس انحناءً أمام إسرائيل، بل محاولة لانتزاع الحرب من يد من أشعلها ومن يد من يستثمر فيها. لكن الخطاب الصحيح لا يكفي وحده؛ فالتفاوض من دون رافعة قوة يتحول إلى استيراد للشروط لا إلى إنتاج للحلول.
“الحزب”، في المقابل، يقف أمام مأزق سياسي ووظيفي غير مسبوق. رفض التفاوض لم يعد ينتج ردعًا، بل يطيل الاستنزاف. والتمسك بالسلاح لم يعد يفرض معادلة حماية، بل يمنح إسرائيل ذريعة استمرار العمليات، ويمنح إيران ورقة مساومة، ويترك اللبنانيين في دائرة الخسارة المفتوحة. الأخطر أن الدولة بدأت تسحب من الحزب قاموس الشرعية، وهذه معركة أعمق من الميدان وأبعد مدى من أي موقع عسكري.
حتى الإشارة السعودية برفع الحظر عن الصادرات اللبنانية لا تُقرأ كخبر اقتصادي منفصل، بل كرسالة سياسية بلباس اقتصادي: كلما اقترب لبنان من منطق الدولة، اقترب من محيطه العربي. فالاقتصاد لم يعد منفصلاً عن السيادة؛ ومن لا يضبط حدوده ومرافئه وقراره وسلاحه، لا يستطيع أن يستعيد ثقة الخارج ولا دورة الحياة في الداخل.
الاستنتاج الأهم أن لبنان دخل مرحلة انتقال من سؤال “من يملك السلاح؟” إلى سؤال “من يملك حق إنهاء الحرب؟”. هنا تُحسم المعركة السياسية الحقيقية. فإذا نجحت الدولة في تثبيت وقف النار، ونشرت الجيش، وأعادت الناس، وانتزعت آلية مراقبة دولية، تكون قد كسرت أخطر احتكار في تاريخ لبنان المعاصر: احتكار قرار الحياة والموت. أما إذا تُرك الملف رهينة الصفقة الأميركية الإيرانية، فسيبقى لبنان بنداً في دفتر الآخرين.
ليست المسألة إذًا أن يربح خطاب على خطاب، بل أن تنتقل البلاد من زمن السرديات المسلحة إلى زمن القرار المؤسسي. لبنان لا يحتاج إلى من يشرح له البطولة بعد كل خراب، بل إلى من يملك شجاعة إخراج الحرب من التداول. هنا تبدأ الهندسة السيادية الحقيقية: دولة لا تكتفي بأن ترفع شعار السيادة، بل تمارسها حين تفاوض، وحين تنشر الجيش، وحين تقفل الباب أمام تحويل اللبنانيين إلى ذخيرة في صفقات الآخرين. السيادة ليست قصيدة وطنية؛ إنها قدرة الدولة على أن تقول متى تبدأ الحرب، ومتى تنتهي، ومن يتكلم باسم لبنان.