




وكأنها أحياء وزواريب مزركشة بالوانها في الريف الإيطالي أو في براغ أو أي بلدة أوروبية ساحرة، لا أبدًا، هذا هو الحي المسيحي الفينيقي في صور.
هنا يتدلى التاريخ مع الياسمين المتهاوي فوق النوافذ الملونة، ويعبق خمر المسيح من الحجر العتيق المرصوص فوق حيطان العز تلك. هنا أبواب عتيقة تحاكي القناطر المزركشة بالزجاج الملون لتحكي عن صور العتيقة المضرجة برائحة الفينيقيين وبحارتهم وتجارتهم العريقة. وهنا تقف اليسار الفينيقية إلى الشاطئ تنتظر مركبًا فينيقيًا يأخذها الى الضفة الأخرى لتكون لها مدينة قرطاج، وهنا، في أعتق المدن الفينيقية وأشهرها، يقف الخوف على حافة الشبابيك الملونة، يرصد المصير المشوب بالقلق الشديد على مدينته الأحب، هل نبقى في أرضنا في صورنا، أم سيسبقنا الموت والدمار المبرمج الى شواطئنا؟!
منذ اندلاع حرب الميليشيا الإيرانية وإسرائيل وصور تتعرض للتهديدات، قصفت بعض من أحيائها، حيث رصد وجود لعناصر الميليشيا، لكن وصل التهديد الإسرائيلي الأخير الى طلب إخلاء الحي المسيحي فيها، لماذا؟ لأن استحلت بعض العناصر الحزبية التابعة للميليشيا أن تتجول في تلك الأحياء، فرصدتها إسرائيل ووجهت إنذارًا لذاك الحي!
صور التاريخ والأثارات المدرجة على لائحة الأونيسكو للتراث العالمي، تنتهك احياءها ميليشيا لا تقيم وزنًا لا للحياة ولا للناس ولا للتراث ولا للبنان بأسره، ميليشيا تقيم وزنًا للأموات، لخامنئي ولأجله تدمر كل لبنان، وصور مثل الجنوب والبقاع، بين وحشين يتقاذفانها بالخوف والتهديد، الميليشيا واسرائيل.
اللافت أن الحي المسيحي تحديدًا يأوي عددًا كبيرًا من النازحين من غير المسيحيين، إذ إن الحياة هناك قائمة على منظومة ليست كلامًا في الشعر إنما هي العيش المشترك الفعلي، فكيف لميليشيا يختبئ اهاليها في الحي المسيحي، أن تتجول علنًا في عز النهار كمن يرشد إسرائيل الى مواقع جديدة للقصف في المدينة؟!
“كل عمرنا عايشين مع بعض، وكما لا نقبل أن يتعرض أحد للخطر كمان ما منقبل حدن يعرضنا للخطر، أهلنا بالحي المسيحي بصور متمسكين بالحياة المشتركة، ونريد أن نعيش جميعًا بطمأنينة، ومن حقهم أن يحافظوا على خصوصيتهم وأن يخافوا على أمنهم وسلامتهم” يقول منسق صور فؤاد عودة.
عدد كبير من النازحين من مناطق جنوبية متعددة لجأوا الى الحي المسيحي في صور، ولقيوا المعاملة الإنسانية والأخلاقية التي تليق، على الرغم من التهديدات والمطالبات بإخلاء الحي من هؤلاء النازحين، الا أن الأهالي حضنوا من تشردوا ليكونوا على مستوى مسيحيتهم ونبل إيمانهم، “مرقنا بظروف كتير صعبة ومنعتبر إنو أي محاولة لزعزعة إيماننا بالأرض هي محاولة تشمل جميع الطوائف وليس نحن فقط. دورنا أن نساعد أهلنا للثبات في أرضهم، والتشبث بها مهما زادت الضغوطات، وأن نتواصل مع الجميع ونخفف الاحتقان، ونحافظ على جو من الحكمة والتعقل كي لا تنزلق الأمور الى حيث لا أحد يريد” يقول عودة، ويعتبر أن بعض الأهالي يشعرون أن الدولة مقصرة في حمايتهم لأن الناس خائفة “وحدو وجود الدولة بيحمي الناس من أي خطر أو تسلل وما شابه، ونحنا دورنا انو نبقى مع الناس، نسهل أمورهم قدر الإمكان، ونشحعهم دائمًا على الثبات بأرضهم، وبذات الوقت أن نحافظ على السلم الأهلي الحقيقي” يضيف عودة.
الأكيد أن أعتق مدن فينيقيا التي اجترح فيها المسيح أولى عجائبه، صارت مدينة يحاصرها الخوف، لا أحد ينكر سطوة الثنائي الشيعي عليها، وتدخلهم بكل مفاصلها وتفاصيلها، لكن الأمر لا يعني أن الوجود المسيحي هناك ضعيف، بل على العكس تمامًا، “وجودنا تاريخي وعريق وهو بحجم تمسك الأهل بأرضهم وهويتهم، والدليل صمودنا في المكان على الرغم من كل الصعوبات التي عبرت بنا على مر السنين، وسنبقى متجذرين بأرضنا حتى النهاية على الرغم من الهواجس الكبيرة. وكل ما نطالب به تفعيل حضور الدولة والحذر والانتباه الدائم، وصور كانت وستبقى مدينة لكل أهلها والمسيحيون فيها جزء أساسي من تاريخها وحاضرها ومستقبلها” يقول عودة.
تقف اليسار إلى شاطئ صور، تلوح لها، “انت أجمل مدن فينيقيا، صنعت قرطاج على صورتك ومثالك، لو لم تكوني صور الفينيقية لما كنت أنا ولما كان عبق شواطئك اجتاح العالم” كأنها تقول. هذه صور وقوات الجحيم لن تقوى عليها فكيف بالحري ميليشيا لا تنتمي إلى عبق شواطئها، ولم تلمس يومًا حرير أرجوانها ولا ذاقت طعم نبيذها المغمس بأعجوبة المسيح. صور، الحي المسيحي تحديدًا، ليست مجرد أحياء جميلة مزدانة بالتاريخ، هي حكاية بدأت من فينيقيا ولن تنتهي طالما لبنان حكاية وطن لا ينتهي.
