
تسارعت دقات الساعة الإقليمية والدولية نحو منعطف استراتيجي غير مسبوق، مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، رسمياً، عن التوصل إلى اتفاق شامل بين طهران وواشنطن؛ ينهي أشهراً من المفاوضات والوساطات المكثفة التي قادتها باكستان في المرحلة الأخيرة، مع دور لكل من قطر والمملكة العربية السعودية وتركيا وغيرها.
وبينما سارع ترامب للاحتفاء عبر منصته “تروث سوشيال” بما وصفه “اختراقاً تاريخياً يعزز الاستقرار” ويضمن عدم امتلاك طهران سلاحاً نووياً مع رفع الحصار وفتح مضيق هرمز مجاناً يوم الجمعة، جاءت التأكيدات الإيرانية من المجلس الأعلى للأمن القومي لتجزم بأن النص النهائي أُنجز بالفعل وأن التفاهم يقضي بالوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية.
وتوازى هذا الإعلان مع مؤشرات وصول نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى البيت الأبيض، وحديثه عن التوجه إلى جنيف للمشاركة في مراسم التوقيع، وسط احتمالات بمشاركة ترامب شخصياً، لتبدو المنطقة وكأنها تسير بخطى ثابتة نحو التهدئة الشاملة.
لكن الواقع الميداني والسياسي يطرح فوراً أسئلة جوهرية وعميقة، وفق مصادر سياسية مراقبة: هل يمكن لهذا الحبر الدولي أن يجف بسلام فوق تضاريس الجبهة اللبنانية المشتعلة، أم أن شياطين التفاصيل الكامنة في تل أبيب قادرة على نسف المشهد بأكمله؟.
وتشير المصادر ذاتها، عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن الأسئلة الحذرة والمقلقة تنطلق مباشرة من قلب التمرد السياسي والعسكري الإسرائيلي على البند اللبناني؛ فرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغ ترامب صراحة بأن إسرائيل لن تنسحب من لبنان وأنها غير ملزمة بالبند الخاص بالساحة اللبنانية، متعهداً بمواصلة تمركز قواته والرد على أي هجمات.
كذلك، لم يتأخر الانفجار الداخلي في تل أبيب، إذ خرج وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بتصريح شديد الخطورة هاجم فيه الاتفاق الأميركي – الإيراني بعنف، مؤكداً أن “اتفاق ترامب لا يلزمنا بشيء، فنحن لسنا شريكاً فيه وإسرائيل ليست جمهورية موز أو دولة خاضعة للولايات المتحدة بل دولة مستقلة ذات سيادة”، مشدداً على رفض إسرائيل لتقديم أي “تنازلات أو الانسحاب من أي شبر من الأراضي التي طهرها الجنود الإسرائيليين”، معتبراً أنه “لا يجوز القبول بأقل من تفكيك الحزب”.
هذا الخطاب الصدامي يضع المنطقة أمام معضلة حقيقية، بحسب المصادر، إذ كيف يمكن فرض وقف إطلاق نار في جنوب لبنان بينما تعتبره الحكومة الإسرائيلية خطراً مستداماً لن تقبل ببقائه على حدودها الشمالية؟. وكيف ستتصرف واشنطن أمام هذا الرفض الإسرائيلي العلني، خصوصاً أن ترامب لم يخفِ استياءه الشديد وغضبه العارم من نتنياهو عقب غارة الضاحية الجنوبية، متسائلاً بحدة: “لماذا نفّذ بيبي هذه الضربة؟” ومعتبراً أن التوقيت أظهر قلة تقدير للعواقب وكاد يطيح بالاتفاق الذي تم إبلاغه به قبل ساعة واحدة فقط من إنجازه.
وترى المصادر، أن هذه الفجوة العميقة بين الرغبة الدولية وخصوصاً الأميركية والرفض الميداني الإسرائيلي تجعل من الحذر والترقب سيدا الموقف؛ فالأرض في الجنوب لا تزال تتحدث لغة النار والقصف، إذ استهدفت مسيرة إسرائيلية صباح اليوم سيارة في بلدة كفرتبنيت مخلفة إصابات، بالتزامن مع قصف مدفعي طال البلدة والنبطية الفوقا، بالإضافة إلى تفجيرات عنيفة نفذها الجيش الإسرائيلي في بلدة الخيام باتجاه الدردارة.
وتلفت، إلى أن الموقف الإسرائيلي وهذه التطورات الميدانية المتواصلة يطرحان علامات استفهام مقلقة حول حقيقة ما يدور في الكواليس؛ فهل تنجح الضغوط الأميركية والدولية الهائلة في كبح جماح الاندفاعة العسكرية الإسرائيلية وإجبار تل أبيب على الانصياع لمعادلة “الوقف الشامل” يوم الجمعة المقبل، أم أن إسرائيل ستستغل الأيام الفاصلة لتوسيع توغلها وفرض أمر واقع جيو- عسكري يحمي حدودها بمعزل عن التفاهمات الدولية؟. ثم ماذا عن موقف الدولة اللبنانية والخطوات المطلوبة منها والتي باتت شديدة الإلحاح؟. وماذا عن “الحزب”، وبالتأكيد من خلفه إيران، وبنيته العسكرية والأمنية المنظمة والتي باتت قانونياً خارجة عن القانون لكنه يتعنَّت ويرفض التسليم للدولة اللبنانية ويهدد بالفتنة والحرب الأهلية؟.
السيناريوهات مفتوحة على حافة الهاوية؛ فإما أن تشهد جنيف ولادة سلام إقليمي ترعاه الدول الكبرى والوسطاء الإقليميون، وإما أن يتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة تفجير متبادلة تطيح بـ”السلام الجميل” الذي بشَّر به ترامب وتدفع بالمنطقة نحو مواجهة أشد ضراوة لا تلتزم بأي خطوط حمراء.
