.jpg)
“انتصار” فوق الركام، عبارة تختصر ما يحاول الحزب المحظور القيام به بعدما دمرت سياساته الجنوب وشردت شعبه واستجلبت الويلات للبيئة الشيعية وكل لبنان. يحاول الحزب المحظور اليوم تقديم نفسه للرأي العام على أنه خرج منتصراً من مواجهة دفعت بها البلاد إلى واحدة من أقسى مراحلها، متجاهلاً أن صورة الواقع لا تُصنع بالخطب ولا بالشعارات، بل بما يراه الناس حولهم من دمار وخسائر وآثار حرب ثقيلة. فبعدما تحولت مناطق واسعة من الجنوب إلى ساحات مواجهة، وبعدما دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً، يأتي خطاب “الانتصار” ليبدو محاولة للهروب من المسؤولية والتنصل من حجم الكارثة التي بلانا بها الحزب.
منذ سنوات، قدّم الحزب المحظور نفسه باعتباره قوة تحمي لبنان، لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً: بلد منهك، اقتصاد منهار، ومجتمع يدفع ثمن قرارات لم يشارك في صنعها. فالسلاح الذي قيل إنه وُجد لحماية لبنان أصبح، سبباً في إدخال البلاد مراراً في صراعات إقليمية لا قدرة للبنانيين على تحمل تبعاتها، ولم يستطع يوماً أن يحمي أو يبني أو يحافظ، هو فقط امعن في تدمير كل شيء.
المفارقة الكبرى أن الحزب، بعد كل هذه الخسائر، يحاول إعادة إنتاج الرواية نفسها التي اعتاد استخدامها: تحويل الأزمات إلى انتصارات، والهزائم إلى “إنجازات استراتيجية”. إلا أن الواقع لا يمكن تغطيته بالخطابات. فاللبناني الذي فقد منزله أو اضطر إلى النزوح لا يرى في الدمار نصراً، ولا يعتبر انهيار مقومات الحياة اليومية ثمناً مقبولاً لشعارات سياسية.
المشكلة لا تكمن فقط في الخيارات العسكرية، بل أيضاً في طريقة التعامل مع الرأي العام، إذ يتم الاستخفاف بعقله واستخدام خطاب إعلامي يقوم على إنكار الخسائر وتقديم صورة مغايرة للواقع. فبدلاً من الاعتراف بأن لبنان دفع ثمناً هائلاً، يتم تقديم المشهد وكأن كل ما حدث كان انتصاراً محسوباً، وكأن معاناة الناس مجرد تفصيل ثانوي في معركة أكبر.
مع أي تفاهمات دولية أو إقليمية، يحاول الحزب، استغلال اللحظة السياسية للقول إن صموده أجبر الآخرين على التفاوض. لكن في الحقيقة الاتفاقات الكبرى لا تُصنع فقط في ساحات القتال، ولبنان ليس ورقة تفاوض بيد أي طرف، بل وطن دفع المواطنون ثمن تحويله إلى ساحة صراع.
إن أكبر تحدٍ يواجه الحزب المحظور اليوم ليس عسكرياً، بل أخلاقياً وسياسياً: كيف يمكن تبرير حجم الخسائر أمام شعب أنهكته الحروب؟ وكيف يمكن إقناع اللبنانيين بأن الخراب الذي أصاب مناطقهم هو دليل قوة وليس دليلاً على فشل الخيارات؟
قد تنجح الحملات الإعلامية في تغيير العناوين لفترة، لكنها لا تستطيع تغيير الواقع. فالركام لا يكذب، والدمار لا يختفي بخطاب، واللبنانيون الذين دفعوا الثمن يملكون حق السؤال: من يتحمل مسؤولية ما وصل إليه البلد؟ ومن يملك الجرأة على الاعتراف بأن تحويل لبنان إلى ساحة مواجهة لم يكن انتصاراً للبنان، بل عبئاً جديداً على شعبه؟
