.jpg)
في موازاة التهليل الذي يسود أوساط فريق ما تبقى من 8 آذار و”الحزب” عقب الإعلان عن الاتفاق الأميركي ـ الإيراني، ومحاولات تصويره على أنه انتصار جديد لمحور الممانعة، تبدو الوقائع الميدانية والسياسية مختلفة تمامًا. فالاتفاق الذي تسعى هذه القوى إلى تسويقه كإنجاز استراتيجي، يأتي بعد سلسلة انتكاسات غير مسبوقة أصابت المشروع الإيراني في المنطقة، وفي حين يحاول “الحزب” استعادة خطاب “النصر” الذي اعتاد اللجوء إليه بعد كل مواجهة، تشير المعطيات المتوافرة من واشنطن إلى أن الاتفاق لا يمنح إيران أي مكاسب لبنانية مباشرة، بل يضعها أمام التزامات صارمة تتعلق بوقف تمويل وتسليح الجماعات التابعة لها، وفي مقدمها “الحزب”. من هنا، يبدو أن الاحتفالات المبكرة التي يشهدها محور الممانعة لا تعكس حقيقة ما جرى، بقدر ما تعكس محاولة لاحتواء تداعيات خسارة مدوية وتقديمها للرأي العام على أنها إنجاز سياسي.
مصادر مطلعة في الإدارة الأميركية، تكشف أن لبنان ليس جزءًا مباشرًا من الاتفاق بين واشنطن وطهران، وأن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان لا يشكل أي بند أو شرط ضمن التفاهم الجاري، موضحة أن الاتفاق لا يعني انتهاء الصراع أو إقفال الملفات العالقة، بل هو أقرب إلى هدنة مؤقتة بانتظار ترتيبات داخلية أميركية على رأسها الانتخابات النصفية الأميركية في تشرين الثاني المقبل بهدف إعادة رسم أولويات المرحلة المقبلة، لذلك، فإن كل الأطراف دخلت عمليًا مرحلة إعادة التموضع وإعادة خلط للأوراق.
تشير المصادر في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قصد بـ”وقف إطلاق النار” المرتبط بالاتفاق، تهدئة إقليمية، تشمل مختلف الساحات المرتبطة بالنفوذ الإيراني، موضحة أن ما يجري العمل عليه هو وقف العمليات العسكرية على الجبهات التي تُعد جزءًا من المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران، من الخليج إلى العراق واليمن وبطبيعة الحال لبنان.
وفي ما يشكل تطورًا بالغ الدلالة، تؤكد مصادر البيت الأبيض أن أحد المبادئ الأساسية للاتفاق يتمثل بوقف تمويل الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران والمصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، و”الحزب” على رأس القائمة. وبالتالي فإن أي دعم إيراني مستقبلي سيُعتبر اختبارًا مباشرًا لالتزام طهران بالاتفاق، فيما سيكون منع إعادة بناء القدرات العسكرية والمالية للحزب جزءًا أساسيًا من آلية المتابعة الأميركية. وفي هذا السياق، تستعد واشنطن لفرض عقوبات جديدة على أي جهة أو فرد يشارك في تمويل أو تسليح أو توفير الدعم الذي يسمح بإعادة ترميم البنية العسكرية والمالية لـ”الحزب”.
تشدد المصادر، على أن ملف الصراع المتعلق بلبنان لا يزال مفتوحًا بالكامل. فتل أبيب تحتفظ بحقها في الدفاع عن نفسها، ما يعني أن مسألة الجنوب اللبناني لم تصل إلى خواتيمها. في المقابل، فشلت إيران في اختطاف الورقة اللبنانية وإلحاقها بمسار تفاوضها الخاص، فيما استمرت واشنطن بالإمساك بالملف اللبناني عبر الدبلوماسية والمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.
في خضم هذه التحولات، تجزم المصادر بأن رئيس الجمهورية جوزيف عون خرج أكثر قوة في المرحلة الحالية، مستفيدًا من دعم أميركي واضح للمسار التفاوضي الذي يقوده لبنان، كما يحظى الوفد اللبناني الموجود بواشنطن بغطاء ودعم كاملين لاستكمال المفاوضات، في وقت يشكل وقف إطلاق النار الإقليمي فرصة إضافية لتسهيل التفاوض بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، بعيدًا من أوهام الانتصارات التي يحاول البعض تسويقها في الداخل.