.jpg)
يُخطئ “فصيل المقاولة الإيرانية في لبنان” ومطابخه الإعلامية إن ظنوا للحظة أن فائض الكلام والتهويل والهروب إلى الأمام قادر على طمس الحقيقة المدوية لنتائج الحرب؛ فحبر “ساعة جنيف” المرتقب، وعشية جولة واشنطن الخامسة للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، يكشفان بما لا يدع مجالاً للشك أن الزمن الاستراتيجي تغير بالكامل، وأن عهد المقايضة بقرار الدولة اللبنانية أو مصادرة سيادتها من قِبل طهران ووكيلها المحلي قد ولَّى إلى غير رجعة.
إن المشهد السائد اليوم، من إطلاق لبيانات “النصر” الموهوم ومحاولة تسويق “العنتريات” الفارغة على اللبنانيين من قبل “فصيل المقاولة الإيرانية في لبنان”، بهدف إعادة فرض معادلة السلاح غير الشرعي كأمر واقع، ما هو إلا سلوك مكشوف وممجوج يهدف بوضوح إلى “أكل رؤوس” المواطنين وحجب الرؤية عن حجم الهزيمة النكراء والتاريخية التي مُني بها هذا الكيان الإيراني المسلح في بنيته القيادية واللوجستية.
الوقائع على الأرض لا ترحم الشعارات الرنانة؛ فالحقيقة المرة التي يحاول هذا الحزب المحظور عسكرياً وأمنياً التغطية عليها بقرع طبول التصعيد السياسي والهجوم الممنهج على الشرعية، تتمثل في أنه يقف اليوم عارياً ومثقلاً بأفدح خسائر بشرية واقتصادية وعسكرية واجتماعية منذ تاريخ تأسيسه.
أين هو الانتصار المزعوم والمسوحات الأولية تؤكد مسح وتدمير أكثر من 100 بلدة جنوبية بالكامل، بينما الخسائر المباشرة وغير المباشرة جراء حربي إسناد غزة وإيران اللتين استجرهما الحزب المحظور على لبنان تُقدَّر حتى الآن ما بين 20 إلى 26 مليار دولار، وتقارير البنك الدولي قدَّرت خسائر الجولة الأولى وحدها بـ 14 مليار دولار؟. أين هي البطولات والتوغل الإسرائيلي باتجاه النبطية أسقط المعاقل العسكرية الأبرز من قلعة الشقيف وأنفاقها ومخازنها وغرف عملياتها الكبرى وصولاً إلى إطباق الكماشة النارية على تلة علي الطاهر الاستراتيجية والجيش الإسرائيلي بات يحتل فعلياً نحو 90% من مساحة الجنوب ويواصل توغله؟.
إن فاتورة الدم من “شلالات الضحايا” الذين سقطوا منذ 2 آذارالماضي فقط بعد توريط الحزب المحظور لبنان في حرب إسناد إيران ثأراً للخامنئي، وبلغت 3826 قتيلاً و11851 جريحاً؛ ما عدا القتلى والجرحى الذين سقطوا جراء حرب إسناد غزة، ومن دون احتساب الذين سقطوا من “الحزب” الذي يتكتم على الأعداد خوفاً من انهيار البيئة لأنهم بالآلاف، فيما لا تزال أعداد المدفونين تحت الأنقاض مجهولة، إلى جانب تهجير ونزوح مئات الآلاف والعودة المجهولة ـ المعلومة المصير وبلا أفق، هي إدانة تاريخية صارخة لـ”حزب المقاولة الإيرانية في لبنان” ولقرار أحادي جرف البلاد بأكملها إلى جحيم مواجهة عبثية لم يكن للدولة أو لشعبها أي يد في اتخاذها.
لذلك، فإن هذا الانقلاب اللفظي ومحاولة الانتقال إلى الهجوم السياسي لضرب مسار فصل المسارات، ما هي إلا محاولات يائسة ومفضوحة للمراوغة والتهرب من ساعة المساءلة الوطنية التي باتت تطرق أبواب الحزب المحظور المنهار.
لبنان، بدولته وشرعيته وبمختلف أطيافه وأكثريته الشعبية والسياسية، لم يعد يكترث لهذه المنظومة الخشبية؛ والنقاش الحقيقي والمُلح في المرحلة المقبلة لن يدور حول كيفية تحسين شروط هذا الحزب المحظور عسكرياً وأمنياً أو الحفاظ على دور طهران التخريبي في لبنان، بل سيتركز بكل حزم وجرأة حول سؤال واحد ومحوري: من الذي شرَّع أبواب لبنان أمام هذا الخراب العارم والموت والدمار الممنهج؟.
إن رفع الصوت والوعيد والتهديد بإسقاط الحكومة لن يحجب هذه الحقيقة، ولن يعيد عقارب الساعة إلى الوجع القديم الذي يسمح بقيام دويلة داخل الدولة؛ تصادر قرار السلم والحرب وتجرّ المأساة تلو المأساة والكارثة بعد الكارثة على لبنان واللبنانيين خدمةً لنظام الملالي في طهران.
المعادلة تبدلت جذرياً؛ ولبنان دخل رسمياً مرحلة العبور الفعلي نحو الدولة السيدة والمستقلة، مدعوماً بموقف صلب وتاريخي يربط مؤسساتها الدستورية ببعضها البعض. فرئاسة الجمهورية ثابتة وباقية مع الحكومة برئاسة نواف سلام بقوة الدستور والشرعية، والوفد اللبناني المفاوض يتوجه إلى واشنطن متسلحاً بالإصرار الشعبي والرسمي الشامل لتنفيذ القرارات الدولية وبسط سلطة الشرعية ونزع السلاح غير الشرعي الخارج عن القانون، حتى ولو بالقوة، لحل هذا التنظيم الإيراني الأمني والعسكري الذي عزل لبنان عن محيطه العربي والدولي.
الحزب المحظور اليوم يرزح تحت وطأة عزلة وطنية وسياسية وجغرافية غير مسبوقة، وأوهام القوة لديه تبخّرت تحت الركام وبسقوط قيادات الصف الأول والثاني والثالث وأكثر. فإما الانصياع لمعادلة الدولة الواحدة وحصرية السلاح والاعتذار للشعب اللبناني عمّا اقترفته الخيارات الإيرانية بحق الوطن، وإما أن المحاسبة الوطنية والقانونية والتاريخية آتية لا محالة، ولن ينجو هذه المرة أي طرف من ارتكاباته وتبعات ما اقترفه بحق مستقبل لبنان.
