.jpg)
على وقع العدّ العكسي لجولة المحادثات الأولية المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا، تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تحمله الساعات والأيام المقبلة من مؤشرات حول مستقبل المنطقة عمومًا ولبنان على وجه الخصوص. ففي موازاة الترقب الحذر للمسار التفاوضي، أطل رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع مساء الخميس، في توقيت سياسي بالغ الدقة، وسط تساؤلات متزايدة حول مصير الاستحقاقات اللبنانية وإمكانية أن تفتح التطورات الإقليمية الباب أمام مرحلة جديدة، عنوانها استعادة الدولة لقرارها وسيادتها. وفي حين تجمع الأوساط السياسية على أن مفتاح الأزمة اللبنانية لا يزال مرتبطًا بملف سلاح “الحزب”، أعطيت المفاوضات الإقليمية أهمية إضافية، في ضوء الرسائل السياسية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا سيما ما يتعلق منها بدعوته الرئيس السوري أحمد الشرع للتحرك في ملف سلاح “الحزب”.
بورغنستوك… شاهد على التاريخ
وكما كان متوقعًا، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على نسخة من مذكرة التفاهم المبرمة مع إيران، ونشرت وكالة أنباء إرنا الرسمية الإيرانية صورًا تظهر الرئيس مسعود بزشكيان وهو يوقع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، واصفًا هذا التوقيع بالتاريخي.
هذا ويشهد منتجع بورغنستوك السويسري الجبلي، في الساعات القليلة المقبلة، على حدث تاريخي شغل العالم لسنوات. أميركا وإيران في مواجهة مباشرة، بعد التوقيع على “مسودة” الاتفاق.
التحضيرات السويسرية مستمرة، لكن التفاصيل لا تزال طيّ الكتمان. فوزارة الخارجية السويسرية، أشارت الى عدم وجود جدول أعمال للقاء، لكن المعلومات رجحت أن يتم تناول ملف النووي الإيراني ولبنان و”الحزب”، وسيحضر المفاوضات الى جانب المعنيين الأساسيين، الوسطاء من باكستان وقطر ودول أخرى، إضافة الى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقبيل ساعات من اللقاء المرتقب، جدد الجانب الأميركي تأكيده أن الستين يومًا المقبلة ستكون حافلة بالتحديات.
تزامنًا، رفعت الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة لهجتها تجاه إيران، وإذ كشفت أن الاتّصالات مع طهران في أدنى مستوياتها، أكدت أنها تدرس خيارات عدّة للتعامل مع المخزون الإيراني عالي التخصيب، وقد حان الوقت للجلوس والبدء بصياغة خطوات ملموسة.
ترامب يستدعي الشرع ولبنان أمام لحظة الحسم
وإزاء الغليان الإقليمي، يقف لبنان حائرًا بانتظار ترجمة ما يعنيه من الاتفاق الأميركي ـ الإيراني على أرض الواقع، وقد أتت المواقف المتكررة للرئيس الأميركي دونالد ترامب ودعواته الرئيس السوري أحمد الشرع الى التدخل لنزع سلاح “الحزب” لتزيد المشهد الداخلي المعقد تعقيدًا.
في السياق، كشفت مصادر سياسية مطلعة عن أن المواقف الأخيرة لترامب، لجهة دعواته للرئيس السوري أحمد الشرع للتحرك في ملف سلاح “الحزب”، تتجاوز بعدها المباشر لتشكل مجموعة رسائل سياسية موجهة إلى أكثر من جهة إقليمية ودولية.
وأوضحت المصادر في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن الرسالة الأولى تستهدف الدولة اللبنانية بشكل مباشر، ومضمونها أن هامش المناورة والتأجيل بات ضيقاً جدًا، وأن المجتمع الدولي ينتظر من الدولة اللبنانية الانتقال من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ وبسط سلطتها على كامل أراضيها وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، مشددة على أن أي تقاعس قد يفتح الباب أمام مقاربات مختلفة تفرض وقائع جديدة على الأرض.
وكشفت المصادر عن أن الرسالة الثانية التي أراد ترامب توجيهها، موجهة إلى إيران، بمعنى أن أي تفاهمات أو تسويات محتملة بين واشنطن وطهران لا تعني الإبقاء على واقع السلاح التابع لها في لبنان، فهذا الملف بات مطروحًا بجدية على طاولة المعالجات الإقليمية والدولية، في إطار إعادة رسم التوازنات في المنطقة.
وأشارت المصادر إلى أن الرسالة الثالثة تتعلق بمجمل المشهد الإقليمي، الذي يسعى الى إنهاء مرحلة الاعتماد على التنظيمات المسلحة غير الخاضعة لسلطة الدول، مؤكدة أن ثمة قناعة متزايدة لدى جهات دولية مؤثرة بأن معالجة الأزمة اللبنانية بمختلف أبعادها السياسية والاقتصادية والمؤسساتية، تبقى مرتبطة بحل مسألة السلاح غير الشرعي، باعتبارها المدخل الأساسي لإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة العربية والدولية بلبنان.
في المقابل، لفتت المصادر إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع لا يبدو في وارد الانخراط في أي دور تنفيذي مباشر داخل لبنان، وهو ما عبّر عنه في أكثر من مناسبة. وعليه، فإن المواقف الأميركية تندرج في إطار ممارسة ضغوط سياسية على الدولة اللبنانية وحثها على استثمار ما تعتبره واشنطن فرصة سياسية مؤاتية لإطلاق مسار جديد لمعالجة الأزمة اللبنانية واستعادة الدولة دورها الكامل.
إسرائيل تفرض الشروط.. رعد يصعد وفرنجية “مُعاقب”
وفيما ينشط لبنان الرسمي بين فرنسا والولايات المتحدة، يرفع الجانب الإسرائيلي حدة المواجهة مع “الحزب”، إذ جددت تل أبيب تأكيدها الاحتفاظ بمنطقة عازلة مع إصرارها على تفكيك سلاح “الحزب”. ولم يتوانَ الجانب الإسرائيلي عن إطلاق النار باتجاه أهالي حداثا في بنت جبيل والجيش اللبناني، مطالبًا الأخير بالتنسيق معه.
وعلى وقع التطورات الميدانية والتفاوضية المتسارعة، وجه رئيس رعد كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد رسالة نارية للسلطة اللبنانية مطالبًا إسرائيل بالبدء بخطوات الانسحاب من دون الحاجة إلى أي مفاوضات مباشرة معها، داعيًا السلطة اللبنانية إلى عدم الانخراط في خطوات تستهدف “الحزب” بشكل مباشر.
وفي خطوة تعكس استمرار سياسة الضغوط المالية الأميركية على “الحزب” وشبكاته السياسية والاقتصادية، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، عن حزمة جديدة من العقوبات استهدفت شخصيات لبنانية وشبكات مالية وتجارية مرتبطة بالحزب، من بينها رئيس المجلس السياسي في “الحزب” محمود قماطي ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية.
جعجع يحسمها: لا رهان على الخارج وقرارات الدولة ستُنفّذ
وسط الارباك والضبابية، طمأن رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع اللبنانيين إلى أن أي تفاهم دولي أو إقليمي لا يمكن أن يكون على حساب سيادة لبنان أو على حساب مشروع الدولة اللبنانية واشار جعجع إلى أن الإسرائيليين قالوا إنهم غير معنيين في الاتفاق الأميركي ـ الإيراني، لافتًا الى أن محور الممانعة “ناطر شغلة من تحت الأرض ت يقول انتصرنا”.
ورأى أن ما حصل على أرض الواقع “مسرحية” لفتح مضيق هرمز وتخفيف الضغط الاقتصادي في أميركا، واصفًا ما يجري بالعودة إلى المفاوضات تمامًا كما كان الوضع عليه قبل الحرب في 26 شباط 2026.
وشدد جعجع على أن أي رهان على أي طرف خارجي خاطئ، مشيرًا الى أن أصدقاء لبنان يساعدوننا، لكن نحن نقوم بما يجب علينا القيام به.
وإذ نوه بالجهود التي يقوم بها رئيسا الجمهورية والحكومة جوزيف عون ونواف سلام، لفت الى أن قرارات الحكومة ستنفّذ، حتى لو بعد حين، محملًا الدولة العميقة مسؤولية العرقلة.
وتعليقًا على دعوة ترامب الشرع لحسم ملف “الحزب”، ذكّر جعجع بأن رئيس الجمهورية أعلن أكثر من مرة أنّ طرح التدخّل السوري في لبنان غير وارد، كما أن الشرع والسعودية غير موافقين، وبالتالي هذا الاقتراح غير مقبول وليس له أي حظ، عازيًا سبب عدم زياته سوريا بعد الى ضرورة التريث كي يتمكن النظام الجديد من تثبيت أركانه، لكن أكد أن التواصل معه قائم.
الجنوب في مكان آخر.. خلاف جديد بين اللبنانيين
على الرغم من كل ما تقدم، كشف الاتفاق الجديد بين أميركا وإيران عن بند يقضي بتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة سياحية مشتركة، وبحسب المعلومات، تتحدث الخطة عن إنشاء منتجعات ومرافق سياحية ومناطق تجارية حرة ومسارات استثمارية تربط بين عدد من المناطق الحدودية، في إطار رؤية اقتصادية يُقال إنها تهدف إلى تحويل المنطقة من بؤرة نزاع إلى مساحة جذب استثماري. ومن البديهي، وكما كل شيء في لبنان، أن يتحول هذا المشروع الى مادة تجاذب وخلاف وأخذ وردّ، بين من يؤيد ومن يعارض.
