
يتخذ المشهد الإقليمي واللبناني منعطفاً بالغ الخطورة مع انطلاق الأسبوع الحالي، حيث تتجه الأنظار إلى العاصمة الأميركية واشنطن التي تترقب انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس، الثالث والعشرين والرابع والعشرين والخامس والعشرين من حزيران الحالي، فيما يجمع المراقبون على أن هذه الجولة حساسة ومفصلية وترسم ملامح مسار المفاوضات في المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، تلفت مصادر مطلعة مواكبة لمفاوضات واشنطن، إلى أن هذه الجولة المصيرية ولدت فوق صفيح إقليمي حارق يقع بين فكي كماشة، إذ تقود طهران من خلف الستار لعبة ابتكار عراقيل واضحة ومكشوفة لتفخيخ مسار المفاوضات وإجهاض أي حل سيادي لبناني في العاصمة الأميركية، وذلك عبر إعلان رفضها المبطن للمحادثات المباشرة من خلال أداتها المحلية المتمثلة في الحزب المحظور، بهدف مواصلة ربط الملف اللبناني بمسار مفاوضاتها الخاصة مع واشنطن وإبقاء الساحة اللبنانية ورقة ضغط حيوية ورهينة بيدها تستخدمها على “طاولة لوسيرن” لخدمة أجندتها الإقليمية.
في المقابل، تشير المصادر ذاتها عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن هذه الرغبة الإيرانية المعرقلة تلاقت مع تصعيد سياسي وعسكري إسرائيلي مباشر يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو؛ الذي دخل على الخط ليكبّل طاولة واشنطن بشروط ميدانية قاسية، معيداً رسم توازنات القوة بالدم والنار عبر إعطاء المشروعية المطلقة لخطط وزير أمنه يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير، ومجدداً تعهده الصارم بمنع إيران من حيازة أسلحة نووية تحت أي ظرف من الظروف باعتباره هدفه المقدس الذي كرّس حياته له.
توضح، أن هذا الوعيد ربطه نتنياهو مباشرة بالأرض اللبنانية، معلناً بوضوح أن قواته ستبقى منتشرة في المنطقة العازلة والمنطقة الأمنية في جنوب لبنان على طول الخط الأصفر، أو ما بات يُعرف بـ”الشريط الأصفر”، لحماية مستوطنات الشمال، مكرساً واقعاً احتلالياً يفرض شروطه بالحديد والنار ويعزل مفاوضات واشنطن المرتقبة عن مكاسب الأرض المستباحة.
تلفت المصادر، إلى أن هذا التصلب الإسرائيلي والتفخيخ الإيراني يتناغمان مع ضغوط استراتيجية تمارسها واشنطن بتناغم واضح مع تل أبيب، إذ برزت المواقف الصادمة للرئيس الأميركي دونالد ترامب لشبكة فوكس نيوز ممارساً استراتيجية حافة الهاوية؛ بالتلويح بالسيطرة على مضيق هرمز وحراسته مقابل 20% من النفط العابر من خلاله، وتوعّده بضرب إيران بقوة إن لم تمنع “الحزب” من إثارة المشاكل في لبنان؛ وهي مناورة منسقة تهدف لانتزاع ليونة وتنازلات سيادية قاسية من بيروت قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض، وخصوصاً عند مناقشة ملف المناطق التجريبية الموسع والمطروح على جدول الأعمال وفق المعلومات المسرّبة.
تضيف: “هذا الكباش السياسي تُرجم في انفجار عسكري محموم في المنطقة الواقعة بين مرتفعات تلة علي الطاهر الاستراتيجية وبلدة كفرتبنيت، حيث يفرض الجيش الإسرائيلي سيطرة عملياتية خانقة ويحاصر العشرات من مقاتلي الحزب المحظور داخل مجمع شبكة الأنفاق المحصنة والعميقة تحت التلة، والتي تؤكد صحيفة يديعوت أحرونوت أنها تمثل مركز ثقل حيوي لوحدة بدر وتحتضن تاريخياً منشأة “عماد 4” الصاروخية ومخازن الأسلحة الضخمة.
المصادر تشير، إلى أهمية ما كشفته التقارير الأمنية بأن الكثافة الصاروخية غير المسبوقة التي أطلقها الحزب المحظور في الأيام الأخيرة، لم تكن سوى محاولة عسكرية مستميتة لتخفيف الضغط وفك الطوق عن عناصره المحاصرة في عمق المنشأة الأرضية قبل الذهاب إلى العاصمة الأميركية؛ ما يضع الوفد اللبناني أمام جولة تفاوضية عاصفة وشديدة الحساسية، تقع بين فكي كماشة إسرائيلية تفرض واقعاً أمنياً بالقوة، وإيرانية تنتهك السيادة وتعرقل الحلول الدبلوماسية لربط مصير لبنان بحساباتها الخاصة، وسط تمسك بيروت القاطع برفض شرعنة الاحتلال تحت مسمى الخط الأصفر، بالإضافة إلى الثبات على مسار التفاوض المستقل وبأن لا أحد يفاوض عن لبنان بل هو من يفاوض بنفسه عن نفسه.
