
هي حقبة مفصلية بالغة الأهمية في تاريخ الشيعة اللبنانيين، تمتد من أواخر العهد العثماني وإعلان “لبنان الكبير” في العام 1920، عبورًا بالانتداب الفرنسي، وصولًا إلى الاستقلال في العام 1943 وما تلاه مباشرة. هذه الحقبة هي التي شهدت، بحسب الباحث الأميركي ماكس فايس (Max Weiss) في دراسته المرجعية In the Shadow of Sectarianism: Law, Shi’ism, and the Making of Modern Lebanon (مطبعة جامعة هارفارد، 2010)، التأسيس الفعلي للهوية الطائفية الشيعية الحديثة بمعناها المؤسسي – أي قبل صعود الإمام موسى الصدر بعقود، خلافًا للسردية الشائعة التي تجعل من وصول الصدر في العام 1959 نقطة الانطلاق الوحيدة لهذا التاريخ.
الوضع القانوني للشيعة في أواخر العهد العثماني
لم تعترف الدولة العثمانية رسميًا بالمذهب الجعفري (الشيعي الإثني عشري) كطائفة مستقلة عن السنة. ونتيجة لذلك، كان الشيعة اللبنانيون مضطرين لتسوية شؤونهم القانونية والشخصية (الزواج، الطلاق، المواريث) أمام المحاكم الشرعية السنية، إذ لم تكن لديهم محاكم خاصة بهم. حاول النواب الشيعة في مجلس النواب اللبناني تصحيح هذا الوضع منذ مطلع العشرينيات، وقدّموا في العام 1923 مشروع قانون لمنح الشيعة وضعًا طائفيًا مستقلًا عن السنة، وفق ما يوثقه الباحث رامي سقلاوي في مقالته العلمية The Social and Political Identities of the Shi’i Community in Lebanon (مجلة Arab Studies Quarterly، المجلد 36، العدد 4، خريف 2014، ص 278-291).
الزعامات التقليدية في جبل عامل قبل 1920
سيطرت عائلتا آل الأسعد (من سلالة علي الصغير) وآل عسيران على زعامة جبل عامل لقرون، إذ تأسست زعامة آل الأسعد في القرن السابع عشر بعد إعدام الأمير فخر الدين الثاني المعني، وتوسّعت ملكياتها الزراعية بعد إصلاحات الأرض العثمانية لعام 1858. هذه الزعامات شبه الإقطاعية شكّلت الإطار التمثيلي التقليدي للشيعة قبل ظهور أي تنظيم سياسي حديث، وهي ستستمر لاحقًا في الهيمنة على تمثيل الشيعة البرلماني حتى ما بعد الاستقلال.
إعلان لبنان الكبير (1920) والرفض الشيعي الأولي
عند إعلان “الدولة العربية السورية” برئاسة الملك فيصل في آذار من العام 1920، اندلعت اضطرابات وصدامات مسلحة في جبل عامل والبقاع المعارضة للحكم الفرنسي. وفي 24 نيسان من العام 1920، عقد السيد عبد الحسين شرف الدين، إمام صور والعالم الشيعي البارز، “مؤتمر وادي الحجير” الذي حضره نحو 600 من ممثلي الشيعة، ورفض فيه أي صيغة “انتداب” أو “وصاية” أجنبية، مطالبًا بالوحدة مع سوريا الكبرى. رافق هذا الرفض السياسي عمل عسكري قاده زعماء محليون مثل صادق حمزة الفاعور وآل الأسعد، ضد القواعد الفرنسية، فردّت فرنسا بحملة عسكرية بقيادة الكولونيل نيجيه ضمت ما بين 4000 و6000 جندي، أحرقت خلالها بلدات مثل بنت جبيل وهجّرت سكانها، وفرضت غرامات مالية ثقيلة أدت إلى تردٍّ اقتصادي طويل الأمد في المنطقة. هذا الفصل وثّقه بالتفصيل كل من ماكس فايس وتمارا شلبي في دراساتهما المذكورة، كما تناولته مصادر تاريخية لبنانية حديثة (المؤرخ منذر جابر) التي تشير إلى أن رفض الانضمام إلى لبنان كان مرتبطًا جزئيًا بمخاوف من مخططات استعمارية لتقسيم جبل عامل بين لبنان وفلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني.
التحول التدريجي نحو قبول الكيان اللبناني
بحلول نهاية العشرينيات، بدأ هذا الرفض الشيعي الأولي يتراجع تدريجيًا. وفق تحليل سقلاوي المستند إلى دراسات سابقة، أصبح واضحًا للزعامات الشيعية أن البقاء “أقلية كبيرة” داخل دولة لبنانية صغيرة قد يكون أكثر نفعًا من البقاء “أقلية صغيرة” داخل دولة سورية كبرى ذات أغلبية سنّية، وهو حساب سياسي ـ ديمغرافي ساهم في تراجع الدعم الشعبي لفكرة الوحدة مع سوريا. وقد سعت سلطات الانتداب الفرنسي بدورها، منذ العام 1922، إلى استقطاب الزعامات الشيعية وفصلها عن التيار القومي العربي السني المعارض للانتداب، فمنحت بعض هذه الزعامات عفوًا وامتيازات سياسية مقابل تأييدها للكيان اللبناني الجديد.
الاعتراف الرسمي بالمذهب الجعفري (1926) – نقطة تحول مؤسسية
في 27 كانون الثاني من العام 1926، أصدر المفوض السامي الفرنسي مرسومًا اعترف فيه رسميًا، للمرة الأولى في التاريخ، بالمذهب الجعفري كطائفة مستقلة عن السنة، وأسّس محاكم شرعية جعفرية خاصة في بيروت وجنوب لبنان والبقاع للنظر في قضايا الأحوال الشخصية. يصف ماكس فايس، في مقالته العلمية المنشورة في مجلة Islamic Law and Society (المجلد 15، العدد 3، 2008، ص 371-407) بعنوان Institutionalizing Sectarianism: The Lebanese Ja’fari Court and Shi’i Society under the French Mandate، هذه المحكمة بأنها “أول مؤسسة شيعية لبنانية تتمتع بحكم ذاتي طائفي” منحته الدولة. ويرى فايس أن هذا الاعتراف، كان نقطة الانطلاق الفعلية لتشكّل هوية شيعية لبنانية حديثة كجماعة سياسية ـ قانونية مندمجة في الدولة، قبل عقود من ظهور أي حركة شيعية سياسية حديثة بقيادة الصدر.
اندماج الزعامات الشيعية في مؤسسات الدولة الناشئة (1922-1943)
منذ تأسيس أول مجلس نيابي للدولة اللبنانية الجديدة في العام 1922، أصبح للشيعة تمثيل دائم فيه، تقاسمته أساسًا عائلات آل الأسعد وحمادة وعسيران، التي شكّلت ما يُعرف في علم السياسة اللبناني بـ”الزعامة” أو نظام الـ”زعيم”، حيث يقوم الزعيم بدور الوسيط بين قاعدته الشعبية المحلية ومؤسسات الدولة المركزية. هذا النموذج التمثيلي، القائم على الولاءات العشائرية والإقليمية أكثر من البرامج السياسية الحديثة، سيستمر طويلًا بعد الاستقلال، وسيكون أحد الأسباب البنيوية وفق تحليل نورتون وعجمي اللاحق، لاستمرار التهميش الاجتماعي للقاعدة الشيعية الشعبية على الرغم من تمثيلها الرسمي.
أزمة الاستقلال (تشرين الثاني 1943) ودور صبري حماده
عند إقدام رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس الحكومة رياض الصلح على تعديل الدستور لإزالة الإشارات إلى الانتداب الفرنسي في تشرين الثاني من العام 1943، اعتقلت السلطات الفرنسية الرئيس ورئيس الحكومة ووزراء آخرين، وعلّقت الدستور. في هذه اللحظة المفصلية، تولى صبري حماده، أول رئيس لمجلس النواب اللبناني المستقل (وهو سياسي شيعي من البقاع)، تنظيم احتجاج النواب والوزراء المتبقين في 11 تشرين الثاني، مطالبين بإلغاء الإجراءات الفرنسية التعسفية والإفراج عن المعتقلين، وهو ما حصل بعد أيام تحت ضغط شعبي ودولي متصاعد، فيما عُرف لاحقًا بـ”عيد الاستقلال”. هذا يُظهر أن التمثيل الشيعي لم يكن هامشيًا في لحظة الاستقلال نفسها، بل لعب دورًا مباشرًا في إدارة أزمتها الدستورية.
الميثاق الوطني وتوزيع السلطة (1943)
تكرّس بعد الاستقلال “الميثاق الوطني” غير المكتوب الذي وزّع المواقع السياسية الكبرى على أساس طائفي، فحصل الموارنة على رئاسة الجمهورية، والسنة على رئاسة الحكومة، والشيعة على رئاسة مجلس النواب، بصفتهم ثالث أكبر طائفة وفق إحصاء العام 1932. وقد شغل هذا المنصب بالتتابع منذ العام 1943 سياسيون شيعة هم صبري حماده (الذي تولاه خمس مرات بين أعوام 1943 و1970)، وأحمد الأسعد (1951-1953)، وعادل عسيران (1953-1959)، وكامل الأسعد (الذي تولاه من العام 1970 حتى مطلع الحرب اللبنانية في العام 1984)، قبل أن ينتقل المنصب إلى حسين الحسيني فنبيه بري لاحقًا.
يُظهر مسار هذه الحقبة – من الاستبعاد القانوني الكامل في العهد العثماني، إلى الاعتراف الجزئي الفرنسي بالمذهب الجعفري في العام 1926، إلى الاندماج التدريجي للزعامات التقليدية في مؤسسات الانتداب، إلى الدور المباشر الذي لعبه صبري حماده في أزمة الاستقلال نفسها في العام 1943، إلى التمثيل الرسمي رفيع المستوى (رئاسة المجلس) المصحوب بتهميش اجتماعي مستمر ـ كل ذلك يُظهر أن علاقة الشيعة اللبنانيين بالدولة اللبنانية الناشئة كانت علاقة معقدة ومتدرجة، لا يمكن اختزالها في سردية “رفض ثم قبول” مبسّطة، ولا في سردية “تهميش كامل ثم نهضة مفاجئة” مع الصدر. كما يلاحظ ماكس فايس، إن جذور الهوية الشيعية السياسية الحديثة تعود إلى عملية تأسيسية بدأت مع الانتداب نفسه، وليس فقط مع الحركات الإصلاحية اللاحقة.
قائمة المراجع
Weiss, Max. In the Shadow of Sectarianism: Law, Shi’ism, and the Making of Modern Lebanon. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2010.
Weiss, Max. “Institutionalizing Sectarianism: The Lebanese Ja’fari Court and Shi’i Society under the French Mandate.” Islamic Law and Society 15, no. 3 (2008): 371–407.
Siklawi, Rami. “The Social and Political Identities of the Shi’i Community in Lebanon.” Arab Studies Quarterly 36, no. 4 (Fall 2014): 278–291.
Chalabi, Tamara. The Shi’is of Jabal Amil and the New Lebanon: Community and Nation State, 1918–1943. New York: Palgrave Macmillan, 2006.
Mervin, Sabrina. Un réformisme chiite: ulémas et lettrés du Jabal ʿAmil de la fin de l’Empire ottoman à l’indépendance du Liban. Paris/Beirut: Karthala-CERMOC, 2000.
Ajami, Fouad. The Vanished Imam: Musa al Sadr and the Shia of Lebanon. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1986.
Norton, Augustus Richard. Amal and the Shi’a: Struggle for the Soul of Lebanon. Austin: University of Texas Press, 1987.