.jpg)
لم يعد مفهوماً كيف يُراد للبنانيين أن يتعاملوا مع حفلات الشكر لإيران، فيما البلاد تدفع حتى اليوم كلفة سياسة فُرضت عليها بالقوة خارج مؤسساتها الشرعية. فهل المطلوب أن نشكر طهران لأنها انتقلت، في لحظة واحدة، من خطاب “الشيطان الأكبر” إلى طاولة التفاهم مع الولايات المتحدة؟ وهل يُفترض باللبنانيين أن يصفّقوا لتحوّلٍ يثبت أن الشعارات التي رُفعت لعقود لم تكن سوى أدوات سياسية تُستخدم عند الحاجة وتُرمى عند تغيّر المصالح؟
لسنوات، قُدّمت أميركا عبر إيران للبنانيين باعتبارها رأس الشر، وصُوّرت أي علاقة معها كخيانة، وأي دعوة إلى حماية لبنان من مغامرات المنطقة كاستسلام. في المقابل، كان “الحزب” يربط لبنان بالمشروع الإيراني، ويضعه في قلب صراعٍ أكبر من قدرته وحدوده ومصلحته الوطنية. أما اليوم، فعندما تفتح طهران خطوط الحوار مع واشنطن، يصبح التفاهم مقبولاً، بل مطلوباً، وكأن المشكلة لم تكن يومًا في التفاوض بحد ذاته، بل في أن يقوم به لبنان لمصلحته ومن موقع دولته.
هنا تكمن المفارقة الفاضحة: إيران تفاوض أميركا، فيما يُطلب من لبنان أن يتحمّل نتائج الحروب التي خيضت باسمه. إيران تتفاهم لحماية مصالحها، فيما بقي اللبنانيون أسرى الدمار والخسائر والتهجير والخوف الدائم من جولة جديدة. فمن الذي أدخل لبنان في المواجهة مع إسرائيل؟ ومن الذي قرر فتح الجبهة الجنوبية من دون تفويض من الدولة أو موافقة من الشعب؟ ومن الذي جعل الحدود اللبنانية ورقة تفاوض إيرانية تُستخدم في لحظة وتُجمّد في لحظة أخرى؟
ثم تأتي اليوم أصوات ترفع لافتات “شكرًا إيران”، وكأن إيران هي التي أنقذت لبنان من المأزق، لا الطرف الذي ساهم في إدخاله إليه. فهل نشكرها لأنها أوصلت البلد إلى مفاوضات مع إسرائيل؟ وهل ننسى أن هذه المفاوضات جاءت بعد أن دُفع لبنان إلى حرب لم يخترها، وبعد أن تحولت قراه وحدوده واقتصاده واستقراره إلى أثمان تُدفع في صراعات الآخرين؟
لبنان لا يحتاج إلى شكر من يقرّر عنه الحرب ثم يتركه يفاوض على آثارها. لبنان يحتاج إلى دولة تستعيد قرارها، وإلى جيش يحتكر السلاح، وإلى سياسة خارجية تنطلق من المصلحة اللبنانية لا من حسابات المحاور. أما الشكر الحقيقي، فيكون يوم يتوقف استخدام اللبنانيين وقودًا لمشاريع لا دخل لهم فيها، ويعود القرار إلى بيروت بدل أن يبقى معلقًا بين طهران وعواصم العالم.
