
إذا كان “الحزب” استعجل رفع آيات ورايات “شكراً إيران” على طريق مطار رفيق الحريري الدولي، إمعاناً في مزاعم “النصر” الوافد من مسار التفاوض الإيراني الأميركي، وكأنّه كان يحتفي أمس بإسقاط النظام الإيراني أكثر من أربعة عقود من العداء مع “الشيطان الأكبر” الأميركي عبر اللقاء المباشر الأول العلني في بورغونشتوك في سويسرا، فإن ذروة السخرية تتمثل في الهجمة الديماغوجية المفلسة للحزب والقيادات السياسية والدينية في بيئته الحاضنة على السلطة اللبنانية، التي حشرتها الحرب التي استدرجها الحزب إلى لبنان ودفعتها قسراً إلى خيار المفاوضات مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية.
بمثل هذه الازدواجية الفاقعة التي تحلّل لدولة التبعية الخارجية أن تفاوض عدوّها وتحرم على “الدولة الأم” التفاوض لوضع حد للكارثة الحربية والاحتلالية التي تسبّب بها الولاء الأعمى لإيران، تعاملَ فريق الممانعة مع التطورات الديبلوماسية والميدانية الأخيرة قبيل اللقاء الأميركي الإيراني في سويسرا، وعشية الجولة الخامسة للمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أميركية، والتي ستعقد أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس من هذا الاسبوع في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، وتضم الوفدين الديبلوماسي والعسكري للبلدان الثلاثة.
ويتّجه الوفد اللبناني بشقيه الديبلوماسي والعسكري إلى واشنطن بتوجّهات ثابتة تقدم أولوية وقف النار وبرمجة الانسحاب الإسرائيلي والانفتاح على طرح المناطق التجريبية بعد تصويب الآلية المحتملة لهذا الطرح. وتؤكد أوساط معنية بالاستعدادات للجولة الخامسة أن لبنان يأخذ في الاعتبار وبكل جديّة تأثيرات إعلان التفاهم الأميركي الإيراني على مجمل الوضع المتفجّر على الجبهة اللبنانية ولن يضيره إطلاقاً، إن ثبت وقف النار بفعل هذا التطور. ولكن ذلك لا يعني القبول أو التسليم بما يطلقه الفريق المؤيّد لإيران من دعوات إلى التراجع عن خيار التفاوض المنفصل تماماً عن المسار الإيراني، بقصد الإبقاء على الوصاية الإيرانية على الورقة اللبنانية والتلاعب بها في سوق الصفقات والمزايدات الدولية.
فرصة تجريبية لوقف النار
في أي حال، شكّلت الساعات الأربع والعشرون الأخيرة “فرصة تجريبية” أيضاً أتاحت انحساراً نسبياً للأجواء المتفجّرة، ما من شأنه أن يختبر متانة وقف النار الأخير، إذ سجل خفض واضح في منسوب العنف والتصعيد على معظم محاور الجنوب والبقاع الغربي، ولم تُسجَّل غارات إسرائيلية، كما لم ينفّذ “الحزب” أي هجمات منذ مساء السبت.
وأعقب ذلك رفع لافتات على الطريق من مطار بيروت الدولي باتجاه الجنوب، حملت صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي ونجله مجتبى، إلى جانب عبارة “شكرا إيران”.
وخشية تفجّر الوضع الميداني مجدّدًا، أصدرت بلديّات عدّة في الجنوب بيانات دعت فيها الأهالي إلى التّريّث مدّة 72 ساعة قبل العودة إلى قراهم.
وجاءت هذه الدّعوات عقب موجة تصعيد واسعة نفّذ خلالها الطّيران الإسرائيلي أكثر من 300 غارة على الأراضي اللّبنانيّة يومي الجمعة والسبت، ما أسفر عن سقوط أكثر من 100 ضحية وإصابة ما يزيد على 200 مواطن.
