Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص – إقامة ذهبية.. في زمن الحرب!

خاص - إقامة ذهبية.. في زمن الحرب!

أقرّت لجنة المال والموازنة مشروع “الإقامة الذهبية”، في خطوة تُقدَّم باعتبارها محاولة لاستقطاب المستثمرين وأصحاب الثروات إلى لبنان. ويقضي المشروع بمنح إقامة ضريبية لمن يستثمر ما لا يقل عن 500 ألف دولار، مقابل رسوم سنوية لا تقل عن 50 ألف دولار عن كل فرد من أفراد العائلة الراغب في الاستفادة من هذه الإقامة.

في الشكل، تبدو الفكرة قابلة للنقاش، بل قد تحمل جانباً إيجابياً في بلد يحتاج بصورة ملحّة إلى الرساميل والاستثمارات وفرص العمل. فبرامج الإقامة أو التأشيرات الذهبية ليست ابتكاراً لبنانياً، وقد اعتمدتها دول أوروبية عدة، بينها اليونان وإسبانيا والبرتغال، بهدف جذب المستثمرين الأجانب وتنشيط الأسواق العقارية والخدماتية والسياحية، وتحويل الرساميل الوافدة إلى فرص اقتصادية حقيقية.

لكن الفارق الجوهري بين تلك التجارب والواقع اللبناني لا يكمن في قيمة الاستثمار أو حجم الرسوم، بل في البيئة التي يُفترض أن تستقبل هذا المستثمر. فالإقامة الذهبية لا تصنع دولة، ولا تعالج انهياراً مالياً، ولا تؤمّن اتصالات أو طرقات أو إدارة عامة فعّالة. وهي بالتأكيد لا تمنح المستثمر ضمانات قانونية أو أمنية حين تكون المؤسسات نفسها عاجزة عن فرض قواعد مستقرة وواضحة للجميع.

المشكلة أن بعض المسؤولين يتعاملون مع الاستثمار كأنه قرار عاطفي أو صفقة سريعة، فيما المستثمر الجدي يدرس قبل أي خطوة عناصر أساسية: الاستقرار السياسي، استقلال القضاء، حماية الملكية الخاصة، سهولة تحويل الأموال، شفافية النظام الضريبي، استمرارية الخدمات، ووجود دولة قادرة على حماية العقد والاستثمار. وهذه الشروط، للأسف، لا تزال في لبنان موضع سؤال كبير.

فمن سيدفع 500 ألف دولار، ثم عشرات آلاف الدولارات سنوياً، لبلد لم ينجح بعد في تأمين الحد الأدنى من الاستقرار؟. من سيغامر بأمواله في ساحة مفتوحة على احتمالات التصعيد، وفي اقتصاد لم تستعد مصارفه بعد ثقة الناس، وفي بيئة لا يزال السلاح خارج سلطة الدولة فيها يفرض معادلاته فوق منطق المؤسسات؟.

إن عرض إقامة ضريبية في لبنان اليوم يشبه بيع مقعد في الدرجة الأولى على متن طائرة لم يُحسم بعد إن كانت قادرة على الإقلاع. قد يكون المقعد فاخراً، وقد تكون التذكرة مغرية، لكن المسافر العاقل يريد أولاً أن يعرف أين المطار، ومن يدير الرحلة، وهل الطائرة صالحة فعلاً للطيران؟.

لبنان لا يحتاج فقط إلى قوانين تسويقية لجذب الأثرياء، بل يحتاج قبل ذلك إلى دولة جدية: دولة قرارها بيدها، حدودها مضبوطة، سلاحها واحد، قضاؤها مستقل، خدماتها متوافرة، ونظامها المالي موثوق. عندها فقط تصبح “الإقامة الذهبية” فرصة اقتصادية حقيقية، لا مجرد عنوان براّق فوق واقع منهار.

Exit mobile version