Site icon Lebanese Forces Official Website

نبش الماضي (الدكتور جورج شبلي)

 

ينقسم الزمن منطقيّاً الى ثلاث مراحل متتابعة هي الماضي والحاضر والمستقبل. ولو سلَّمنا، موضوعيّاً، بأنّ سلكاً يربط بين هذه المراحل، ما يعني أنَ الحاضر هو ابن الماضي وأب المستقبل، إلّا أنّ قاعدة التطوَر التي تجعل من الإنسان حالةً نهرية تتجدَّدُ باستمرار، تأمرُ بأنْ يُحفَظَ الماضي في الذاكرة لتؤخذَ منه العبر، وتنهى عن استعادته بتواترٍ سريع، ليُلغي الحاضر والمستقبل، ويصبح، هو وحده، زمنَ الإنسان. عندها، يُمسي هذا الإنسان مومياء متجوّلة، يعيش في جسده حاضره، أمّا ذهنه فقابع سعيداً في كهوف الصّدأ.

لقد طلّ علينا، منذ زمنٍ لم يمرّ عليه الزّمن، بعض المتفوّهين، من فوق منابر، ومن على شاشات ومن وسائل مرئيّة يملكها بعض هذا البعض، أو بعض مسيّريه، باستفاقة ممجوجة قوامها العودة الى الماضي. فلو كانت هذه الطلّات من النافذة المشرقة التي تذكّر بعصر السّلم، والبحبوحة، ولبنان الانفتاح والعيش الراغد، لكانت هذه التّذكرة مفيدةً على صعيدين: فهي، من ناحية، تفتحُ طاقة مضيئة في السّرداب المخيف لذاكرتنا القريبة، فيعود الأمس الذّهبي في مَشاهد خلّابة، حين كان الشاطئ المترنّح يساهر بيروت حتى الفجر، والأرز يدرّب السماء على التزلّج. ومن ناحية ثانية، تفتح أبصار الأجيال الجديدة على صورة مرتجاة للوطن، مختلفة عمّا ينتجه ذهان بعض المتسوّسين، في محاولةٍ لرسم وطنٍ عجوزٍ، مغلوب على أمره، لن يعود الى شبابه إلّا بأمرهم، وكأنّهم يرهنون الأجيال لمشيئتهم الى الأبد.

لكنّ استعادة الماضي، على الملأ، وحصراً بالأحداث البغيضة، في زمن الحرب الداخلية السيئة الذّكر، لم يكن المقصود منها إلّا التّسعير، وإثارة الحساسيات، وترويج الحقد بين شرائح النّسيج الوطني، ولا سيّما الذين ينتمون الى إثنية واحدة. ولا مجال للتّذكير بأنّ الحرب تفرض قواعدها على الأفرقاء المتقاتلين، وغالبًا ما ترتكب الموبقات، ويحلَّل الحرام، وترخص أرواح الناس وكراماتهم. والكلّ يعلم أنّ أكثر الاتّهامات والتبريرات، في هذا المجال، لا ينطلي على أحد. والكلّ يعلم، كذلك، أنّ وثيقة الوفاق الوطني، التي صيغت في الطائف، قد وضعت حدّاً يفصل بين ما قبلها وما بعدها، وبالتالي، ورد الحديث، فيها، عن مصالحة الوطن مع نفسه. وهذا يعني فتح صفحة جديدة بيضاء، كتب على وجهها الأَسود الخلفي: مقفلٌ الى الأبد. ومع ذلك، يحرص بعض المتسوّسين، في طلّاتهم الملوّثة، على استذكار أحداثٍ، ينبغي أن يكون الزمن قد طواها، والى غير رجعة. فلماذا خطاباتٌ ومناظراتٌ وأجوبةٌ تحفل بنكء جراح الماضي، وكأنّ الناس لا يكفيهم ما يعانون، حاضراً، من أزمات فتّاكة، اجتماعية واقتصادية وسياسية وأمنيّة، حتى يعظّم النَكءُ بلواهم باستفاقاتٍ تسنّن نصال البغضاء، وتشعل مواسم الحقد والتّفرقة.

إنّنا لا ندعو الى فرض رقابة هرمسيّة على ما تبثّه الشاشات، وتعرضه المنابر، لأنّنا نؤمن، بما لا يقبل المناقشة، بالحريّات، وفي مقدّمها حرية الرأي والتّعبير عنه، لكنّنا، ورحمةً بالأجيال الصاعدة، من جهة، وبمن تبقّى على قيد الحياة من أجيال الحرب، نطلب من المتسوّسين، ومن المسؤولين عن الإِعلام المرئي، اعتماد ميزان المفيد في كلماتهم، وفي برامج شاشاتهم، انطلاقاً من مفهوم الحرية المسؤولة، ومن أنّ الحقيقة نسبيّة.

أما القاعدة الثانية التي ينبغي الالتزام بها، فهي قاعدة الحياء. إنّ الحياء المقصود هو تلك الحالة الأخلاقية التي يميّز فيها الوعي بين الجيّد والضّار، من هنا فقيمة الإنسان تقاس بالكمّ الذي يختزنه من مادة الحياء. وإذا كان بعضهم يأخذ على آخر، ظلماً، أنّه اقترفَ ما لم يقترفه، وذلك مؤكَدٌ بالبرهان، فهل يجد هذا البعض أنّ ما يبثّه لسانه من سموم، يمكن أن يفي بغرض الإساءة؟ إذا كان الأمر كذلك، فما يقوم به هو، حقًّا، قلَّةُ حياء.

 

Exit mobile version