Site icon Lebanese Forces Official Website

خاص ـ “إقامة ذهبية” تلفها “الشكوك”: مشروع لـ”جذب الاستثمارات” أم شيء آخر؟ (أمين القصيفي)

الاستثمارات غادة أيوب

يثير إقرار لجنة المال والموازنة لمشروع قانون “الإقامة الذهبية” في لبنان، تحت عنوان “تحفيز الاستثمارات”، الكثير من التساؤلات والشكوك لدى الرأي العام عامة وعلى مستوى الخبراء الاقتصاديين والقانونيين؛ الذين يضعون علامات استفهام كثيرة حول ما إذا كان مشروع القانون في حال أُقرّ بصيغته في مجلس النواب سيساهم في نزع اسم لبنان عن اللائحة الرمادية أم سيُعقد وضعه نحو الأسوأ؟.

أسئلة كثيرة تُطرح في مختلف الأوساط: هل لبنان اليوم بالفعل هو بلد “جذاب” للاستثمارات؟ وهل النية خلف مشروع قانون “الإقامة الذهبية” جذب الاستثمارات فعلاً، أم أن “وراء الأكمة” أهداف “مريبة”؟، هذا بالإضافة إلى الملاحظات القانونية الأساسية التي يطرحها الخبراء القانونيون، ما يضاعف علامات الاستفهام حوله وما إذا كان يكفي مجرد وضعه تحت عنوان “جذب الاستثمارات” أن يجعله مغرياً ومقبولاً؟.

الانطباع العام الأول لدى مختلف الأوساط الشعبية والاقتصادية والقانونية هو أن مشروع قانون “الإقامة الذهبية” منفصل عن الواقع، فأي مستثمر “سويّ” تغريه “إقامة ذهبية” ينالها بضخ 500 ألف دولار في مصارف تحتجز أموال مودعيها منذ العام 2019، أو بأن يشتري عقاراً بهذه القيمة لينال هذه “الحظوة الذهبية”؟، هل هذه تُسمّى فعلاً “استثمارات” منتجة؟ وهل “إغراءات” غياب الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والإنترنت وغيرها، أو ضعفها، “لا تقاوم بجاذبيتها الساحرة” لتدفع إلى تقاطر “المستثمرين” للعيش أو العمل في لبنان اليوم؟.

كيف يأمن أي مستثمر “جدي وحقيقي” على أمواله في ظل هذا الواقع؟، أو لنظام ضريبي مميز “وفق ما يُسوَّق” وسط غياب الإصلاحات، إن لم يكن هناك أسئلة وشكوك ومخاطر تحوم حول مصدر أمواله في الخارج، فتجعله يرى أن كل هذه المخاطر والعقبات الكثيرة في لبنان تبقى أقل؛ مقابل ما تتيحه “الإقامة الذهبية” وفق مشروع القانون المقترح من “شرعنة” لأمواله التي ربما تكون مصادرها “مثيرة للشكوك” في الخارج؟.

عضو تكتل “الجمهورية القوية”، النائب غادة أيوب، توضح عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن هناك ملاحظات قانونية جوهرية على مشروع قانون “تحفيز الاستثمارات” تجعله مليئاً بالثغرات والعيوب. فعلى الرغم من التعديلات التي أدخلتها لجنة المال والموازنة على مشروع الحكومة، لا سيما تحديد الحد الأدنى للاستثمار بـ500 ألف دولار أميركي، وتحديد الضريبة السنوية المقطوعة بـ50 ألف دولار، وإضافة نص يؤكد احترام أحكام قانون تملك الأجانب، فإن عدداً من الإشكاليات الجوهرية لا يزال قائماً ويستوجب إعادة النظر في المشروع قبل إقراره:

أولاً: العنوان لا يعكس المضمون الحقيقي. يتحدث المشروع عن “تحفيز الاستثمارات” من دون آلية فعلية لتحفيز الاستثمار المنتج أو إنشاء مشاريع اقتصادية. فلا نجد إلزاماً بإنشاء مؤسسة أو مصنع أو شركة أو توظيف لبنانيين أو الاستثمار بقطاعات يحتاجها الاقتصاد. فالاستفادة من النظام المقترح لا ترتبط بتحقيق قيمة بل ترتبط بالحصول على إقامة خاصة وإعفاءات ضريبية واسعة على الأموال والإيرادات الموجودة خارج لبنان. وعليه، فإن المشروع أقرب لنظام “إقامة ضريبية مميزة” منه إلى قانون لتشجيع الاستثمار.

ثانياً: الإعفاءات الضريبية هي الحافز الحقيقي. يتبين أن العنصر الجاذب الأساسي ليس الاستثمار بل الإعفاء من الضرائب على الإيرادات والأموال الموجودة خارج لبنان. فالمستفيد لا يأتي لوجود فرص اقتصادية واستثمارية بل للنظام الضريبي الخاص الذي يمنحه إعفاءات على ثرواته ومداخيله الخارجية. وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل نريد جذب استثمارات منتجة أم جذب أصحاب ثروات يبحثون عن ملاذ ضريبي أقل كلفة؟.

ثالثاً: تنص المادة الأخيرة على أن القانون يعمل به فور نشره في الجريدة الرسمية. وهذا يعني أن شرطي فتح حساب مصرفي وتملك عقار في لبنان يصبحان قابلين للتنفيذ فوراً بمجرد صدور القانون. في المقابل، فإن الاستثمارات الأخرى التي يفترض أن يحددها مرسوم لاحق لا تكون قد تحددت بعد، وبالتالي يصبح بالإمكان الاستفادة من النظام الجديد استناداً لشروط نافذة مباشرة قبل صدور التنظيمات التنفيذية المتعلقة بطبيعة الاستثمارات المطلوبة. وهذا يطرح إشكالية تشريعية يستدعي تعليق نفاذ بعض الأحكام لحين صدور المراسيم التطبيقية.

رابعاً: ثغرة خطيرة تتعلق بفتح الحساب المصرفي، إذ اكتفى المشروع بالإشارة لفتح حساب مصرفي بقيمة معينة، من دون تحديد مصدر الأموال المودعة. فهل يكفي إيداع الأموال نقداً (Cash) داخل لبنان؟ أم يجب دخولها عبر تحويل مصرفي من الخارج باسم المستفيد ومن حساب خاضع لرقابة أجنبية؟. إن ترك المسألة من دون تنظيم صريح يشكل ثغرة خطيرة بظل واقع الاقتصاد النقدي بلبنان. ومن الضروري النص صراحة على دخول الأموال بواسطة تحويل مصرفي نظامي من الخارج، وأن تمر عبر النظام المصرفي الخاضع لقواعد الامتثال، وتخضع لإجراءات التحقق من المصدر المشروع، ويمنع احتساب المبالغ المودعة نقداً ضمن قيمة الاستثمار المطلوبة.

خامساً: تعارض محتمل مع متطلبات FATF، إذ يأتي المشروع في وقت لا يزال لبنان مدرجاً على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، ويخضع لتدقيق دولي بملفات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. ومن هنا فإن أي نظام خاص يستهدف استقطاب أصحاب الثروات الأجنبية يجب أن يتضمن أعلى درجات الشفافية والرقابة على مصدر الأموال. أما الاكتفاء بفتح حساب مصرفي أو تملك عقار من دون إدخال الأموال عبر قنوات مصرفية نظامية، فقد يؤدي لنتائج معاكسة للهدف المعلن، ويعطي انطباعاً بأن لبنان يسعى إلى استقطاب الرساميل من خلال إعفاءات ضريبية قبل استكمال منظومة الرقابة والامتثال المطلوبة دولياً.

سادساً: لبنان يحتاج إلى استثمارات لا إلى رساميل عابرة. فالاقتصاد اللبناني يحتاج اليوم إلى مصانع ومؤسسات وشركات ومراكز أبحاث ومشاريع إنتاجية توفر فرص العمل وتزيد الصادرات وتحفز النمو. أما استقطاب الأموال بهدف منح أصحابها إعفاءات على ثرواتهم وإيراداتهم الخارجية من دون ربط ذلك باستثمار منتج، فلا يشكل سياسة استثمارية متكاملة، بل مجرد نظام ضريبي استثنائي يحقق تدفقات مالية محدودة من دون تنمية مستدامة.

وتؤكد النائب أيوب، أن لبنان لا يحتاج لاستقطاب أموال مجهولة المصدر بل إلى استثمارات نظيفة ومنتجة؛ تدخل عبر النظام المصرفي الشرعي، وتخلق فرص عمل وتنقذه من اللائحة الرمادية.

كما تلفت أيوب، إلى ملاحظات إضافية وأمثلة عملية، مشيرة إلى أنه إذا قرأنا الأسباب الموجبة بدقة نجد أن المقصود بالأسباب الموجبة ليس جذب المستثمر لكي يستثمر بل جذب أثرياء أو أصحاب أعمال بالخارج ليصبحوا مقيمين ضريبياً بلبنان ويستفيدوا من إعفاءات مخففة على إيراداتهم وثرواتهم بالخارج. وتورد أمثلة عملية في هذا السياق: لديك شركة بالخارج، تنقل إقامتك الضريبية إلى لبنان، وتدفع ضريبة مقطوعة، وتستفيد من إعفاءات على قسم كبير من دخلك الخارجي. لكن الفرق أن هذه الأمور يمكن تطبيقها في الأنظمة المستقرة مالياً ولديها إدارات ضريبية متطورة تطبق تبادل المعلومات؛ أما لبنان اليوم فالوضع مختلف.

النائب أيوب تؤكد أن موقف تكتل “الجمهورية القوية” من مشروع قانون “جذب الاستثمارات” هو التالي: نحن لا نعارض استقطاب المقيمين الضريبيين الجدد، لكننا نرفض إنشاء ملاذ ضريبي غير منظَّم قد يعرّض لبنان لمخاطر مالية وضريبية وأمنية.

Exit mobile version