






















في زمنٍ تتكاثر فيه الشعارات وتندر فيه المبادرات العملية، جاءت مبادرة، تحت شعار “قوّة لبنان… إيد بإيد” لتقول شيئًا مختلفًا. الوقوف إلى جانب أهل الجنوب لا يكون بالكلام وحده، بل بالفعل، وبمدّ اليد إلى العائلات التي قررت أن تتمسك بأرضها وتستمر في العيش والإنتاج على الرغم من كل الحروب والظروف القاسية. من قلب بيروت، انطلقت هذه المبادرة تضامنًا مع أبناء القرى الجنوبية، ولا سيما المسيحيين منهم، الذين يواجهون منذ اندلاع الحرب مجددًا تحديات النزوح والخوف والضيق الاقتصادي، فيما يصرّون على البقاء والصمود وعدم التخلي عن أرضهم.
المبادرة بدأت بخطوات بسيطة لكنها شديدة الدلالة. الخطوة الأولى تمثلت بحملة لتأمين الأدوية لأهالي قضاءي مرجعيون وبنت جبيل، بالتنسيق مع عدد من الناشطين والمسؤولين المحليين. ثم تلتها خطوة ثانية تُرجمت بتأمين مولد كهربائي لبلدة عين إبل، بما ساعد أبناءها على تجاوز جزء من أعباء الحياة اليومية، لكن الخطوة الثالثة كانت الأهم ربما، في هذه المرحلة، لأنها ذهبت مباشرة إلى صلب معركة الصمود: مساعدة الأهالي على تصريف إنتاجهم الزراعي والبيتي والحرفي، باعتبار أن بقاء الناس في أرضهم لا ينفصل عن قدرتهم على العمل والبيع والاستمرار.
من هنا، جاء تنظيم معرض “قوّة لبنان… إيد بإيد” في صالون كنيسة مار مارون ـ الجميزة، بمبادرة من ناشطين من بيروت وبالتعاون مع فاعليات من بنت جبيل ومرجعيون وجزين ومناطق جنوبية أخرى. وقد تحوّل المعرض، على مدى ثلاثة أيام، إلى مساحة تضامن حيّة مع 24 عارضًا قدِموا من عين إبل، دير ميماس، كوكبا، حاصبيا، جزين، صيدون، مغدوشة، النبطية وغيرها من القرى، حاملين معهم نتاج أرضهم وتعبهم: زيت الزيتون، الزعتر، المربيات، المكدوس، العسل، الطحينة، ماء الزهر وماء الورد، إلى جانب الصابون والكعك والأشغال اليدوية والكروشيه والشوكولا ومنتجات حرفية متنوّعة.
ولعلّ أكثر ما يلفت في هذه المبادرة أنها لم تكتفِ بتوفير مساحة للبيع، بل منحت المشاركين فرصة بناء شبكة علاقات جديدة تساعدهم على الاستمرار. فبالنسبة إلى أبناء عين إبل، الذين نزح بعضهم من بنت جبيل وحملوا معهم مهاراتهم وإنتاجهم إلى مناطق نزوحهم، شكّل المعرض فرصة فعلية لفتح أبواب جديدة أمام أعمالهم، إلى حد أن بعضهم تلقّى طلبات شراء من مؤسسات كبيرة خاصة، فيما أبدى آخرون رغبة في تخصيص مساحات دائمة لمنتوجات أهل الجنوب. كذلك استفادت تعاونيات محلية، مثل تعاونية العسل في دير ميماس التي تعيل عشرات العائلات، من فرصة عرض منتجاتها وبيعها مباشرة للزوار.
لم يقتصر المعرض على كونه مساحة لبيع المنتجات الريفية والحرفية، بل تحوّل أيضًا إلى منصة دعم سياسي ومعنوي واضحة لأهالي الجنوب، عبّرت عنها المشاركة الرسمية والحزبية في افتتاحه. فقد حضر وزير الطاقة والمياه جو صدّي، وعضوا تكتّل “الجمهورية القوية” النائبان جهاد بقرادوني وسعيد الأسمر إلى جانب موفد رئيس حزب “القوات اللبنانية” إلى مرجعيون وحاصبيا فادي سلامة، ورئيس خلية الحزب لإدارة الأزمة في الجنوب جان علم، فضلًا عن عدد من الفاعليات والمهتمين بدعم الإنتاج المحلي وصمود القرى الجنوبية.
وفي هذا السياق، جاءت الكلمات التي ألقيت خلال الافتتاح لتؤكد أن المبادرة تتجاوز بعدها الاقتصادي المباشر، لتلامس جوهر المعركة التي يخوضها أهل الجنوب اليوم: معركة البقاء في الأرض. فقد نوّه بقرادوني بجهود المنظمين، معتبرًا أن الهدف الأساسي من المعرض هو دعم أبناء الجنوب الصامدين والتأكيد لهم أنهم ليسوا وحدهم في مواجهة المحنة، مشددًا على أن الصمود الحقيقي لا يكون بالمغامرات والحروب التي تدمّر البيوت وتهجّر الناس، بل بالتمسك بالأرض والمنازل والقرى، وبمساندة العائلات التي تصرّ على الاستمرار في العيش والإنتاج رغم كل الضغوط.
بدوره، أكد الأسمر أن المشاركة في المعرض تأتي في سياق الوقوف إلى جانب أهل الجنوب ومنتجيه، مشيرًا إلى أن الجنوب الذي يريده اللبنانيون هو جنوب الصمود والسلام والمحبة والتمسّك بلبنان، لا جنوب الحروب والصواريخ والنار. وجدد التأكيد أن لا خيار أمام اللبنانيين إلا الدولة وحدها، معتبرًا أن مَن يُحاول جرّ البلاد إلى حروب لا تُشبه أهلها يجب أن يكون حسابه مع الدولة والمؤسسات الشرعية.
وراء هذا المشهد، يبرز بوضوح مشهد آخر لا يقل أهمية: صمود المسيحيين في قرى الجنوب. فهذه القرى، من عين إبل إلى دير ميماس والقليعة ورميش وغيرها، لم تكن يومًا مجرد نقاط جغرافية على الحدود، بل كانت على الدوام جزءًا أصيلًا من هوية الجنوب وتاريخه وتنوّعه. اليوم، وفيما تتعرّض هذه المناطق لحصار عسكري واقتصادي ومعيشي هائل، يثبت أبناؤها مرة جديدة أنهم متمسكون بأرضهم، وبكنائسهم، وبمواسمهم، وبحقهم في الحياة الكريمة داخل قراهم. وهذا الصمود لا يمكن النظر إليه بوصفه تفصيلًا محليًا، بل هو جزء من صمود الجنوب كله، ومن صمود فكرة لبنان الذي لا يُختزل بطائفة واحدة ولا بمنطقة واحدة.
كما أن الدعم الذي يلقاه هؤلاء من قلب العاصمة ومن الكنيسة ومن ناشطين وفاعليات سياسية واجتماعية، يحمل بدوره دلالة عميقة. فاستضافة رعية مار مارون في الجميزة للمعرض، وتوفيرها المكان واللوجستيات مجانًا، ومواكبة الأب ريشار أبي صالح لهذه المبادرة والدعوة إليها من على المذبح، كلّها مؤشرات إلى أن التضامن الحقيقي لا يزال ممكنًا، وأن العلاقة بين العاصمة والجنوب يمكن أن تُترجم إلى أفعال ملموسة تحفظ كرامة الناس وتساعدهم على الصمود.
مبادرة “قوّة لبنان… إيد بإيد” ليست معرضًا عابرًا لبيع المونة والمنتجات، بل هي فكرة أبعد: حماية أهل الجنوب لا تكون فقط بالشعارات، بل بدعم بقائهم في أرضهم وتمكينهم من العيش من تعبهم. وفي هذا المعنى، تبدو مساندة المسيحيين في جنوب لبنان، كما سائر أبناء المنطقة، واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، لأن صمودهم ليس دفاعًا عن قرى حدودية فحسب، بل دفاع عن وجه لبنان نفسه هيك بتكون المقاومة … أما اللقاء الثاني ففي أيلول، استعدوا!
