.jpg)
دخلت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية في الولايات المتحدة الأميركية مرحلة دقيقة، وسط شحّ واضح في المعلومات الرسمية حول تفاصيل ما دار فيها ومآلاتها. إلا أنّ المعطيات التي تسرّبت عنها توحي بأنّ الاجتماع لم يكن عادياً، بل اتّسم بأجواء مشحونة تجاوزت التعقيدات التقنية والسياسية المعروفة، لتلامس عقداً أعمق.
فالمسألة لم تعد مرتبطة حصراً بوقف إطلاق النار، أو بجدول الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، أو حتى بما يُطرح عن “مناطق تجريبية” وانتشار تدريجي للجيش اللبناني. ذلك أنّ إقحام إيران في خلفية الملف اللبناني، عبر ما تردّد عن تناول لبنان في المسار الأميركي ـ الإيراني الذي احتضنته سويسرا، ألقى بظلال إضافية على المفاوضات. وهذا الأمر بدا كأنه منح الوفد الإسرائيلي هامشاً أوسع لتشديد شروطه، سواء في ما يتصل بالانسحاب التدريجي أو بالترتيبات الأمنية التي تسبق أي خطوة ميدانية.
في المقابل، تمسّك الوفد اللبناني بالثوابت التي حدّدتها بيروت، وفي مقدمها تثبيت وقف إطلاق النار، انسحاب إسرائيل من الأراضي التي لا تزال تحتلها، وانتشار الجيش اللبناني بوصفه القوة الشرعية الوحيدة المخوّلة حماية الحدود والسيادة الوطنية. غير أنّ هذا التمسك لا يلغي حقيقة أن أي تفاوض جدي يحتاج إلى وضوح في الأولويات، وإلى منع اختلاط المسار اللبناني بمصالح إقليمية أو تفاهمات جانبية لا علاقة للدولة اللبنانية بها.
ولعلّ ما أثار الاستغراب في هذا السياق، انسحاب الوفد العسكري من الاجتماع أول من أمس، وعدم مشاركته في الصورة الرسمية للوفود المشاركة، فيما بقي الوفد الديبلوماسي اللبناني وحده في المشهد.
الأخطر هو في وضع العربة أمام الحصان. فبحسب مصادر مطلعة عبر موقع القوات اللبنانية، لا يمكن التعامل مع الانسحاب الإسرائيلي كمدخل وحيد لمعالجة مسألة السلاح، ولا اعتبار انتشار الجيش خطوة شكلية تلي تفاهمات غير مكتملة. المنطق السليم يقتضي أن تكون أولوية حصرية السلاح بيد الدولة، وأن يتم تثبيت سلطة الجيش أولاً، باعتبارها الضمانة الفعلية لأي انسحاب مستدام وأي استقرار في الجنوب.
لبنان لا يحتاج إلى ترتيبات رمادية أو مناطق اختبار مفتوحة على التأويل، بل إلى مسار واضح يعيد الجنوب إلى الدولة، ويمنع تحويله مرة جديدة إلى ورقة تفاوض إقليمية.