
يدخل ملف الجنوب مرحلة بالغة الدقة، تختبر مدى قدرة الوساطة الأميركية على تحويل التفاهمات السياسية من نقاشات وطاولات تفاوض إلى وقائع ملموسة على الأرض. فلم تعد المسألة تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل انتقلت إلى رسم ملامح المرحلة التالية: من أين يبدأ الانسحاب الإسرائيلي؟ وأين ينتشر الجيش اللبناني؟ وكيف يستعيد “لبنان اليوم سيادته الكاملة والمنفردة على المناطق التي أنهكتها حربا الإسناد الأولى والثانية، بعد عقود طويلة من هيمنة “الحزب” عليها؟
في هذا المجال، وصفت مصادر مطلعة لـ”نداء الوطن” المناقشات بأنها كانت صعبة، مشيرة إلى أن واشنطن تمارس ضغوطًا كبيرة على الجانبين اللبناني والإسرائيلي لإبداء المرونة وتحقيق تقدّم ملموس، نظرًا إلى الأهمية البالغة التي تكتسبها هذه الجولة. وأفادت مصادر في الخارجية الأميركية لـ”نداء الوطن” بأن العمل جارٍ على إعداد مسودة إعلان نوايا يُفترض أن تشكّل قاعدة للآليات التنفيذية الخاصة بتطبيق المخرجات المتوافق عليها، من دون أن يكون صدورها مضمونًا حتى الآن.
كما أفضت الجولة السابقة إلى تفاهم مبدئي بشأن إقامة مناطق نموذجية تشمل محيط قلعة الشقيف ومنطقتين مأهولتين، إلا أن تبدّل الظروف منذ ذلك الحين زاد المناقشات تعقيدًا، وأعاد فتح الخلاف حول نطاق هذه المناطق وآليات تطبيقها.
في السياق، علمت “نداء الوطن” أن الجانب الإسرائيلي، الذي يتشدّد في الإجراءات العملانية الهادفة إلى إزالة الخطر عن شمال إسرائيل، يرفض حاليًا الانسحاب من نقاط يعتبرها استراتيجية ومرتبطة بأمنه، ما دام تهديد “الحزب” لم يُنهَ بالكامل. ومن هذا المنطلق، رفض أن يكون الانسحاب من قلعة الشقيف ومحيطها الخطوة الأولى، واقترح أن يبدأ التطبيق التجريبي في مناطق خارج نطاق وجود الجيش الإسرائيلي، من بينها أجزاء من القطاع الغربي (حيث يُعدّ تهديد “الحزب” محدودًا أو شبه معدوم)، إضافة إلى صور والزهراني وبعض المنشآت، مثل موقع علي الطاهر.
في المقابل، أصرّ الوفد اللبناني على أن تشمل المناطق التجريبية أراضي واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، وتحديدًا داخل “الخط الأصفر”، بما يتيح انسحاب القوات الإسرائيلية منها، وانتشار الجيش اللبناني، وعودة الأهالي إليها. وقد قوبل الطرح اللبناني برفض إسرائيلي، ما استدعى تدخّل الوسيط الأميركي مرات عدّة لمحاولة التوصل إلى تسوية واتفاق.
أما بحسب “النهار”، يجري التحضير لإصدار “إعلان نيات” مساء اليوم بعد الجلسة الثالثة التي ستكون على المستوى الديبلوماسي. وتلقّى لبنان نسخة من مسودّة الإعلان، وجرت مناقشتها في قصر بعبدا وجرى تقديم عدد من التعديلات التي تحصن الموقف اللبناني. ومن المتوقع أن تخلص الجولة اليوم إلى المصادقة على هذا الإعلان الذي يعمل الأميركيون على إنضاجه ليوسّع طريق المفاوضات أكثر بين بيروت وتل أبيب.
وتحدثت معلومات عن “امتعاض يسود بعض الدوائر الأميركية من رفض الوفد العسكري اللبناني الظهور في صورة مشتركة مع الجانب الإسرائيلي”، مشيرة إلى تحرّك للسفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض لمعالجة هذا الامتعاض، لئلا يتهدّد الدعم الأميركي للجيش اللبناني.
