صحيفة نداء الوطن – رفيق خوري
قوة الوقائع تفرض على الجميع مراجعة المواقف، وربما التراجع على طريقة “خطوة إلى الوراء من أجل قفزة أفضل” كما يقول الفرنسيون. ومن الوهم التصرف كأن مفاعيل الزلزال الجيوسياسي والإستراتيجي الذي ضرب المنطقة ووصلت هزاته الى أبعد مكان على الكوكب هي أقل من مضاعفات حرب عالمية. فلا شيء بعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران والردود عليها يبقى كما كان. لا المشروع الإقليمي الإيراني وأذرعه المسلحة في البلدان العربية، ولا مشروع “سلام ترامب” للشرق الأوسط والرهانات عليه. لا حسابات اللبنانيين المنقسمين حيال مشاركة “الحزب” في الحرب وتصوراتهم الخيالية وحتى الواقعية بالنسبة إلى مفاوضات ما بعد الحرب في واشنطن كما في سويسرا،ولا صدمة الخليج الذي جعلته صواريخ الحرس الثوري ميداناً للحرب على الرغم منه. حتى العلاقات بين شريكي الحرب الأميركي والإسرائيلي، تعرضت للإهتزار بسبب تباين المصالح والخلاف على الهدنة وما بعدها، ولو كانت الخلافات بينهما هي “شجار عاشقين” كما كان يقول المعلق الأميركي الراحل جيمس رستون.
ولعل الشرق الأوسط اليوم هو الساخر الأكبر من الذين سارعوا إلى المفاخرة بأنهم يتحكمون بهندسته وإعادة تشكيله. فلا “الثوابت” التي يقول كل طرف أنه يتمسك بها ويرسم أمامها خطوطاً حمراء لا تزال من الثوابت. ولا “المتغيرات” سلمت من تغييرات جديدة وبعضها في الإتجاه المعاكس. وليس أخطر من العناد والرفض القاطع لرؤية ما أصاب الثوابت سوى العجز عن التكيّف مع التبدل في المتغيرات. ولبنان يبدو مصاباً بالخطرين والمرضين معاً.
ذلك أن لبنان الذي اعتقد أنه خرج من الأسر في الحروب الحارة والباردة المستمرة منذ الستينات من القرن الماضي يواجه محاولات قوية لإعادته إلى الأسر في حرب إسرائيل وإيران. وهو يكتشف، لا فقط أنه لم يعد البلد الذي كان قبل حروب منظمة التحرير وإسرائيل وسوريا وإيران، بل أيضاً أنه لا يكاد يعرف نفسه إذا وقف أمام المرآة. ففي يومياته كثير عن الغرق في التفاهة و”ثقافة” الذباب الإلكتروني بما يساهم في حجب الرؤية الشاملة من كل الزوايا. وفي قراءته لما هو أبعد من اليوميات كثير من القلق، وسط قليل من الإطمئنان. شيء ما يوحي أن لبنان اليوم في مأزق، لا أمام فرصة مفتوحة. وشيء ما يشير إلى أن الفرصة نفسها صارت المأزق بعد التراخي أمام ما يقود إلى تضييعها.
واللعبة مغلقة، وسط وقف نار في المكان حيث الإحتلال والمقاتلون.”الحزب” يرفض تسليم سلاحه للدولة. الإحتلال ليس في وارد الإنسحاب ولا سحب السلاح خارج منطقة الليطاني. الدولة خائفة من تطبيق قراراتها حول سحب السلاح وحظر النشاطات العسكرية والأمنية غير الشرعية. وسوريا ليست راغبة، على افتراض القدرة، في تلبية دعوة الرئيس ترامب للقيام بالمهمة التي هي التورط في حقل ألغام أمنية وعسكرية وطائفية وعابرة للحدود في لبنان وسوريا.
حتى فتح اللعبة، فإنه يبقى دوراناً في المأزق. سلاح “الحزب” عاجز عن إجبار الإحتلال على الإنسحاب، وإن أربكه وقتل و جرح أعداداً من ضباطه وجنوده ضمن ما يسميها “إستراتيجية الإيلام”، بصرف النظر عن أن حربه سمحت لإسرائيل بإعادة الإحتلال. إيران التي تطالب أميركا في المفاوضات بإجبار نتنياهو على الإنسحاب تصطدم بأن واشنطن تصر قبل تل أبيب على ربط الإنسحاب من لبنان بسحب السلاح من “الحزب” وهو ما ترفضه طهران التي تريد مضاعفة قوة “الحزب” وتمويله وتسليحه.
والسلاح غير الشرعي ليس مشروع حل في لبنان بل هو جزء من المشكلة. والإنسحاب الإسرائيلي الجزئي إلى “المنطقة العازلة” وراء “الخط الأصفر” يؤدي إما إلى “التساكن” بين السلاح والإحتلال في حال لا حرب ولا سلم خطيرة جداً على لبنان وإما إلى انفجار جديد لا أحد يعرف ماذا يبقى بعده. لكن اللعبة المغلقة في لبنان هي محطة انتظار لما يحدث في اللعبة الإقليمية والدولية المفتوحة على ما هو أبعد من المفاوضات الدائرة بين أميركا وإيران بمرافقة الباكستان وقطر تحت أنظار العالم كله.
وإذا كانت “الحرب أب كل الأشياء” حسب هيراقليط الإغريقي، فإن الأبناء يرتكبون في إدارتها كل الأخطاء الممكنة في حق الأم التي هي الإنسانية.