.jpg)
لم تكن حرب الجنوب التي أقحم “الحزب المحظور” لبنان فيها عمداً “قراراً وطنياً” اتُّخذ تحت سقف الدولة، ولا دفاعاً حصرياً عن أرضٍ لبنانية أو عن مصالح اللبنانيين. منذ اللحظة الأولى، قُدّمت الحرب بوصفها “جبهة إسناد لغزة”، لكنّها كانت في جوهرها امتداداً لوظيفة إقليمية رسمها النظام الإيراني، واستخدم فيها لبنان مرة جديدة ساحةً مفتوحة لتبادل الرسائل والصواريخ وتصفية الحسابات.
دفع اللبنانيون الثمن: قتلى وجرحى، قرى مدمّرة، نزوح واسع، واقتصاد أكثر إنهاكاً، فيما بقي القرار الحقيقي خارج مؤسسات الدولة. فـ”الحزب المحظور” لم يسأل الحكومة اللبنانية قبل أن يفتح الجبهة، ولم يعرض على الشعب كلفة المغامرة ولا حدودها ولا توقيتها. اختار الحرب باسم لبنان، ثم ترك لبنان يتحمّل وحده نتائجها السياسية والإنسانية والاقتصادية.
هذه ليست المرة الأولى التي يُقيَّد فيها البلد بالمشروع الإيراني. فعلى مدى عقود، عملت طهران على تحويل لبنان إلى ورقة تفاوض في ملفاتها الكبرى، وإلى منصة نفوذ تتقدّم فيها الأولويات الإيرانية على المصلحة الوطنية. وحين كان المطلوب الضغط، دُفع لبنان إلى التوتر. وحين احتاجت طهران إلى أوراق تفاوض، استُخدم لبنان. وحين ارتفعت كلفة المواجهة، تُرك اللبنانيون أمام خرابهم وانقسامهم وخوفهم.
بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في واشنطن ليل الجمعة الماضي، تدخل البلاد مرحلة دقيقة وحافلة بالتحديات. فالاختبار الحقيقي ليس في التوقيع وحده، بل في القدرة على فرض التزام التنفيذ، واستعادة الدولة قرارها على كامل أراضيها، ومنع أي قوة مسلّحة من إبقاء لبنان رهينة حساباتها الخاصة أو حسابات الخارج.
المطلوب اليوم ليس إدارة أزمة جديدة، بل إنهاء منطق الأزمة الدائمة. المطلوب أن يحتكر الجيش اللبناني السلاح والقرار الأمني، وأن تعود الحدود إلى سلطة الدولة، وأن تُبنى سياسة خارجية لا تجعل من لبنان صندوق بريد بين طهران وخصومها. لا سيادة مع سلاح خارج الشرعية، ولا استقرار مع تنظيم يملك حق الحرب والسلم بمعزل عن المؤسسات.
إن التمدد الإيراني الذي أثقل لبنان لعقود، وقيّد قراره، وعطّل قيام دولة فعلية، يجب أن يصل إلى نهايته. لبنان لا يحتاج إلى وصاية جديدة ولا إلى حروب بالوكالة، بل إلى دولة قوية، حرة، وسيّدة. وما لم تُطوَ صفحة المشروع الإيراني وأدواته، سيبقى كل اتفاق مؤقتاً وكل هدنة مهددة وكل مستقبل معلّقاً على قرار لا يُتخذ في بيروت.