#adsense

خاص ـ سقوط “الممانعة” وصفقاتها: الاتفاق إلى التنفيذ (أمين القصيفي)

حجم الخط

يحمل اتفاق الإطار الذي وُقِّع في العاصمة الأميركية واشنطن بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، برعاية وإشراف مباشرين من البيت الأبيض، أبعاداً جيو- سياسية تتجاوز بكثير قراءته من زاوية اعتباره وثيقة لإنهاء نزاع حدودي مزمن فقط. فالقراءة العميقة لهذا الحدث الاستثنائي تؤكد أن المفاوض اللبناني لم يطوِ فقط صفحة ستة عقود من استثمار جبهة الجنوب كممر لتدمير البلاد واحتلالها وربطها بمحاور إقليمية غريبة عن هويتها، بل وضع حداً نهائياً لزمن الصفقات الجانبية والاتفاقات المستترة التي كانت تُطبخ في الغرف المظلمة بين طهران وتل أبيب على حساب دماء اللبنانيين ومستقبلهم؛ في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة الشرعية مغيّبة قسراً ومسلوبة الإرادة.

وتلفت مصادر سياسية “مخضرمة” مواكبة في هذا السياق، إلى أن مقاربة الأحداث التاريخية تكشف أن المرحلة الممتدة من أعقاب حرب تموز 2006 وصولاً إلى المغامرة غير المحسوبة في الثامن من تشرين الأول 2023 يوم بادر “الحزب” إلى حرب إسناد غزة واستتبعها بتوريط لبنان بحرب إسناد إيران “ثأراً للخامنئي” ما استجر هذا الجحيم الذي يعيشه لبنان اليوم، تلك المرحلة لم تكن سوى هدنة وهمية وظّفها “الحزب” كغطاء “شرعي” لحفر شبكات الأنفاق، ومضاعفة ترسانته العسكرية، وترسيخ نفوذه الميليشياوي داخل مفاصل المؤسسات والإدارة العامة والأسلاك الأمنية والعسكرية والقضائية، مستفيداً من معادلة الابتزاز القائمة على مقايضة السلاح غير الشرعي بالاستقرار الهش.

وتشير المصادر ذاتها عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن هذا النهج التمكيني الذي قبض على أنفاس الدولة اللبنانية وهيمن على قرارها ومفاصلها يمتد إلى ملف الترسيم البحري السابق، الذي أُبرم بـ”تهليل” إسرائيلي وتوجيه إيراني مباشر، عبر تكليف الشريك التقليدي في الثنائية الحزبية الشيعية، وتحديداً رئيس مجلس النواب رئيس حركة “أمل” نبيه بري، لإدارة التفاوض مع إسرائيل في هذا الملف، لضمان استمرار وضع اليد على مقدرات الوطن وتجييرها لمصلحة الأجندة التوسعية لطهران؛ واعتُبر يومها “إنجازاً تاريخياً ونصراً مبيناً” من قبل السيد حسن نصرالله وبري، على الرغم من التفريط بآلاف الكيلومترات اللبنانية لمصلحة إسرائيل!.

تضيف المصادر: “لكن الزمن الأول تحوّل بظل التغيرات الدراماتيكية الحاصلة في المنطقة وفي لبنان، فيما المعضلة الجوهرية التي تعيشها فلول هذا المحور المترنح تكمن في عجزها البنيوي عن استيعاب هذه المتغيرات الكبرى. فمشروع الدويلة في لبنان انهار استراتيجياً وعضوياً مع سقوط المربع الأمني الحامي والداعم له في دمشق؛ بانهيار نظام الأسد المخلوع وتفكك خطوط الإمداد العسكري واللوجستي، وصولاً إلى الهزيمة الميدانية العسكرية الساحقة التي تلقاها “التنظيم الإيراني في لبنان” وتدمير القسم الأكبر من بنيته الحربية ومقتل كبار قادته، من الرأس وصولاً إلى قيادات الصف الرابع”.

وتلفت المصادر، إلى أن هذا الانكسار الواضح تزامن مع بروز سلطة دستورية لبنانية جديدة وحازمة، سلطة دولتية سيادية برئاسة العماد جوزيف عون وبالتنسيق الوثيق مع رئيس الحكومة نواف سلام، مدعومة بالتفاف شعبي عابر للطوائف، وإصرار استراتيجي صلب من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي على تجفيف منابع النفوذ الإيراني، وحصر قرار السلم والحرب والأمن القومي بمؤسسات الدولة الشرعية والجيش اللبناني وسائر الأجهزة الأمنية الشرعية من دون سواها.

وبناءً عليه، تؤكد المصادر أن المراهنة اليائسة لبعض الأصوات المعزولة على إسقاط مفاعيل اتفاق واشنطن الإطاري أو تعطيل المسارات التنفيذية لبنوده، تعكس انفصالاً تاماً عن الواقع وقراءة بائسة للمشهد بعقول الماضي المتهالك؛ ذلك أن لكل اتفاق تاريخي ظروفاً موضوعية تنتجه وآليات دولية تضمن فرضه وتطبيقه على الأرض، والظروف الراهنة تتطابق اليوم في الحالتين.

وتوضح، أن الإرادة السياسية الدولية والعربية واللبنانية الصلبة التي انتزعت هذا الاتفاق في جولات التفاوض المباشر، هي ذاتها التي تمتلك أدوات الدفع والضغط لترجمته ميدانياً، ما يجعل قطار الاستقلال الثالث يسير بخطى ثابتة لا رجعة عنها.

وتشدد المصادر، على أن لبنان ولج، رسمياً، حقبة سيادية جديدة ومختلفة، تُقفل إلى غير رجعة صفحة التوظيف الميليشياوي الذي استُخدم لعقود لتبرير بقاء السلاح غير الشرعي الخارج عن القانون، ولإخضاع قرارات الدولة ومؤسساتها، ولإلحاق الهوية الثقافية والحضارية للبنان بالمشروع الإيراني المأزوم.

بالتالي، “من مصلحة “الحزب” اليوم، ومن خلفه طهران، أن يسارع إلى قراءة هذا التحول الجذري بحجمه الحقيقي بعيداً عن أوهام المكابرة، لأن أي تأخير في التسليم للأمر الواقع والاعتراف بمرجعية الدولة الحصرية “لن يغيّر النتيجة الحتمية”، بل سيزيد الكلفة السياسية والميدانية عليه وعلى بيئته واستطراداً على لبنان بأسره؛ فالغطاء الاستراتيجي والجغرافي والدولي والخليجي والشعبي للسلاح الإيراني في لبنان، قد انتهى بالكامل، وما تبقى على جدول الأعمال هو إدارة عملية الانتقال الآمن نحو كنف الدولة بأقل الخسائر الممكنة”، تختم المصادر.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل