
في اللحظات التاريخية الحاسمة التي تعيد رسم جغرافيا النفوذ في الشرق الأوسط، يبرز في “كواليس عين التينة” إتقان فن صياغة المعادلات فوق رمال الشارع المتحركة. فانقلاب الموقف الأخير لرئيس مجلس النواب نبيه بري حيال اتفاق الإطار التاريخي بين لبنان وإسرائيل برعاية ومتابعة أميركية، لم يكن مناورة لفظية، بل جاء بمثابة هندسة دقيقة لـ”انكفاء صامت” ومدروس؛ فبرفع السقف اللغوي واستحضار أدبيات “الموروث الشيعي”، نجح بري في تفكيك ألغام الشارع، مانحاً قطار الشرعية الدستورية المتمثل في بعبدا والسرايا الحكومية “كارت العبور الآمن” نحو التنفيذ الميداني.
ثمة مؤشرات ميدانية وسياسية تؤكد أن هذا السلوك المحسوب بدقة، يمثل عاملاً أساسياً في تبدل المشهد اللبناني بأسره؛ ولعل التطور الأهم الذي حصل، لغاية الآن، هو تطور موقف الرئيس بري وطريقته في استيعاب البيئة الشيعية، وفق الكاتب السياسي، قاسم يوسف، الذي يوضح أن بري رفع السقف واستوعب الشيعة، لكنه رفض أي تحرك عملي وجدي لإسقاط اتفاق الإطار؛ هو أعلن أن هذا الاتفاق غير مقبول و”أخطر بـ10 مرات من اتفاق 17 أيار”، لكنه لم يدعُ لإسقاط الاتفاق في الشارع ورفض التظاهرات لإسقاط الحكومة ولم يُخرج وزراءه منها، وهذه نقاط يُبنى عليها الكثير في المرحلة المقبلة.
يوسف وفي حديث إلى موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، يقول: “وكأن الرئيس بري موافق ضمنياً على الاتفاق لكنه قام بهذه الالتفافة لاستيعاب الشيعة، وهذا ما حصل بالفعل، إذ لاحظ الجميع أن ردة الفعل على اتفاق الإطار كانت باهتة جداً. حاول “الحزب” أن يحشد في الشارع وفشل إذ إن موقف بري ضعضع مخططه حيث حذّر من الفتنة مذكّراً بالقول الذي يُنسب للإمام علي عن “ابن اللبون”.
ويؤكد يوسف، أن بري يتوجه بذلك إلى الشيعة لا إلى أي طرف آخر، لأنه يتوجه بأدبيات شيعية خالصة قالها الإمام علي للشيعة أنفسهم؛ وبذلك، أراد بري القول للشيعة ألا ينزلوا إلى الشارع وحذرهم من الفتنة، وهذا ما ترك امتعاضاً لدى “الحزب”، وربما لذلك رفع بري السقف، لكن كلامه يبقى في الإطار الاستيعابي من دون أي خطوات عملية.
لتوضيح الصورة أكثر، يضيف يوسف: “بري في زمن “اتفاق 17 أيار” نزل إلى الشارع وأسقطه بالعسكرـ بحسب سرديته ـ والآن يقول إن اتفاق الإطار هو “أخطر بـ10 مرات من اتفاق 17 أيار”، لكنه في الوقت ذاته يرفض التظاهرات لإسقاطه في الشارع ويحذّر منها”.
يوسف يعتبر، أن بري قام بدور استيعابي استثنائي في هذا السياق وما يحيط باتفاق الإطار. ففي الشكل هو ينفض يده من الاتفاق ويرفض أي علاقة به، وبالتالي يستوعب الشيعة بأنه حاول؛ لكنه يستطيع بالتأكيد أن يفعل أكثر فيما لو كان مقتنعاً بطريق آخر لإنقاذ الشيعة أولاً ولبنان عموماً من هذه الورطة؛ يستطيع أن يسحب وزراءه من الحكومة، والانضمام إلى دعوات “الحزب” للتظاهر ومحاولة إسقاط اتفاق الإطار في الشارع، بل محاولة إسقاط الحكومة والعهد في هذا السياق. لكن بري لم يذهب إلى أي من هذه الخيارات؛ على العكس، ذهب إلى خيار التحذير من الفتنة متوجهاً إلى الشيعة بالتحديد وبأدبيات شيعية، رافضاً أن يكونوا “ظهراً للفتنة”.
يوسف يرى، أن موقف الرئيس بري يأتي في جزء منه من أنه مقتنع بهذا الخيار؛ إذ يعرف تمام المعرفة بأن لا إمكانية للخروج من هذه الأزمة المدمرة التي أدخلتنا فيها إيران و”الحزب”، إلا بمسار مستقل، لكنه لا يتحمّل عبء تبني المسار المستقل في ختام مسيرته، لذلك حيَّد نفسه عن صدارة المشهد وترك ممارسة الدور لرئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام، لكنه منحهما “كارتاً أساسياً” بأنه لن يدعو لإسقاط اتفاق الإطار لكنه سيرفع الصوت بعض الشيء، وهذا ما حصل بالفعل واستوعب الشيعة، إنما الاتفاق، بشكل أو بآخر، يواصل مساره على سكة التنفيذ. بمعنى، الرئيس بري لا يعطل الاتفاق وإنما يحتج عليه بشكل علني ويقول إنه ضده، لكن من دون خطوات عملية مباشرة لمحاولة إسقاطه.
