#adsense

من تاريخنا ـ جبل عامل والهوية الشيعية.. تاريخ أعمق من السرديات الشائعة ـ (2)

حجم الخط

يقدّم هذا البحث عرضًا تاريخيًا شاملًا لتطور الوجود الشيعي في لبنان، من جذوره القديمة في جبل عامل وكسروان قبل دولة لبنان الكبير، استنادًا إلى دراسات أكاديمية صادرة عن مؤرخين ومستشرقين متخصصين. يحاول البحث الجمع بين عدة مستويات: التاريخ الديني والفكري، التاريخ الاجتماعي ـ الاقتصادي والتاريخ السياسي، مع الإشارة في كل محطة إلى نقاط الجدل بين الباحثين، لأن تاريخ أي طائفة لبنانية، كما يلاحظ المؤرخ أحمد بيضون، يُكتب غالبًا من زوايا متعددة ومتنافسة تبعًا لهوية الكاتب وموقعه الطائفي والسياسي. هذا التنبيه ضروري لأن جزءًا كبيرًا من الكتابات الشعبية حول “تاريخ الشيعة في لبنان” يُسقط أحداثًا حديثة (كالخطاب الإيراني بعد العام 1979) على الماضي البعيد بشكل عابر للحقب، وهو ما تحذّر منه الدراسات النقدية.

 

أولاً: الجذور القديمة – جبل عامل

يُعدّ جبل عامل، المنطقة الجبلية الواقعة على ضفتي نهر الليطاني جنوب لبنان، الحاضنة التاريخية الأقدم للتشيّع في المنطقة. الرواية الشيعية التقليدية تربط دخول التشيّع إلى المنطقة بالصحابي أبي ذر الغفاري في القرن السابع الميلادي، إلا أن هذه الرواية، كما توضح الموسوعات الأكاديمية المعاصرة، “تُستبعد إلى حد كبير في الدراسات الأكاديمية”، التي ترجّح بدلًا من ذلك أن التشيّع الاثني عشري تبلور تدريجيًا في جبل عامل بين أواسط القرن الثامن والقرن العاشر الميلادي (نحو 750 ـ 900م). من أبرز من بحث في هذه المرحلة الباحثون يارون فريدمان وجعفر المهاجر ورلى الجرضي أبي صعب، الذين يربطون انتشار التشيّع جزئيًا بقبيلة “بني عاملة” اليمنية التي استقرت في المنطقة، وبالسياق الاجتماعي والديني الذي جعل المذهب الإمامي مقبولًا لدى فئات غير راضية عن السلطة المركزية بعد معاهدة الحسن ـ معاوية في العام  661 م.

 

ثانياً: حملات كسروان المملوكية (1292 – 1305) والجدل حول هويتها الطائفية

شهد جبل لبنان (كسروان وجبيل والجرد) بين عامي 1292 و1305 ثلاث حملات عسكرية مملوكية ضد سكان الجبال الذين وُصفوا في المصادر بأنهم خليط من الشيعة الاثني عشرية والدروز والموارنة، الذين كانوا يتمتعون بحكم ذاتي فعلي ويتعاونون أحيانًا مع الإمارة الصليبية في طرابلس. بعد سقوط طرابلس في العام 1289، شنّ المماليك ثلاث حملات تأديبية أدت إلى دمار واسع وتهجير، واستوطن المماليك بعدها قبائل تركمانية في المنطقة. تجدر الإشارة إلى نقطة جدل أكاديمي مهمة هنا: فبينما تصوّر بعض الكتابات الشيعية المعاصرة هذه الحملات على أنها “اضطهاد طائفي” ممتد في خط مستقيم حتى اليوم، يلاحظ المؤرخ أحمد بيضون أن هذا التأويل يأتي كجهد لتعزيز “أصالة” الحضور الشيعي في لبنان، في حين أن الهوية الطائفية الدقيقة لسكان كسروان الشيعة في تلك الحقبة “تبقى موضع جدل علمي” حتى بين المؤرخين المتخصصين، إذ يصعب الجزم إن كانوا شيعة اثني عشرية أم علويين أم إسماعيليين أم خليطًا غير متمايز من هذه الجماعات (كمال الصليبي، Maronite Historians of Medieval Lebanon، 1959).

 

ثالثًا: العصر العثماني المبكر وزعامة آل النصّار

مع دخول جبل عامل تحت الحكم العثماني، نشأت فيه زعامات محلية شبه مستقلة، أبرزها زعامة الشيخ ناصيف النصّار في القرن الثامن عشر، الذي تحالف لفترة مع ظاهر العمر الزيداني حاكم فلسطين الفعلي، قبل أن يدخل في صراع مع أحمد باشا الجزار، الحاكم العثماني الشهير بلقب “الجزار” والذي تولى ولاية صيدا من العام 1776. هزم الجزار قوات ناصيف النصّار وأخضع جبل عامل لحكمه المباشر، في حقبة وصفتها المصادر التاريخية بالقسوة الشديدة، وقاوم خلالها أنصار آل النصّار عبر مجموعات سُمّيت بـ”الطيّاحة”، استمرت في مهاجمة جنود الجزار. هذه الحقبة (نهاية القرن الثامن عشر) تمثل من أصعب الفصول في تاريخ جبل عامل الحديث، وتُستخدم أحيانًا في الخطاب الشيعي المعاصر كرمز لتجربة “المظلومية”، وإن كانت أسباب الصراع تتعلق بنزاعات نفوذ إقليمية متعددة الأطراف لا بصراع طائفي بالمعنى الدقيق وحده.

 

رابعًا: التصدير العلمي إلى الدولة الصفوية (القرن السادس عشر)

في مقابل حقب الاضطهاد، يبرز فصل آخر يوثّقه الاستشراق الأكاديمي بوضوح: الدور الذي لعبه فقهاء جبل عامل في تأسيس التشيّع الرسمي للدولة الصفوية في إيران مطلع القرن السادس عشر. تُظهر دراسة الباحثة رلى الجرضي أبي صعب Converting Persia: Religion and Power in the Safavid Empire (I.B. Tauris، 2004) أن علماء عامليين، أبرزهم الشيخ نور الدين علي الكركي العاملي، انتقلوا إلى البلاط الصفوي وأسّسوا الأطر الفقهية والمؤسسية التي قام عليها التشيّع الرسمي الإيراني، إثر موجة هجرة علمية من جبل عامل إلى أصفهان وقزوين تسارعت بسبب الضغوط التي تعرّض لها العلماء في عهد السلطانين إسماعيل الأول وطهماسب الأول. هذا الفصل يُظهر أن العلاقة بين جبل عامل وإيران ليست حديثة العهد، بل تعود إلى خمسة قرون.

 

خامسًا: نهضة جبل عامل في أواخر العهد العثماني (أواخر القرن التاسع عشر – 1918)

في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، شكّل ثلاثة من علماء جبل عامل — أحمد رضا، ومحمد جابر آل صفا، والشيخ سليمان ظاهر، المعروفون بـ”ثالوث النبطية” أو “الثالوث العاملي” — حركة نهضة فكرية هدفت إلى محاربة الأمية وتأسيس الجمعيات التعليمية، وكانوا من أوائل من طرح فكرة القومية العربية في المشرق، الأمر الذي أدى إلى اعتقالهم في العام 1915 إلى جانب رياض الصلح ووالده رضا الصلح بسبب معارضتهم للحكم العثماني. تناولت الباحثة الفرنسية سابرينا ميرفان هذه الحركة بتفصيل دقيق في دراستها المرجعية Un réformisme chiite: ulémas et lettrés du Jabal ʿAmil de la fin de l’Empire ottoman à l’indépendance du Liban (كارتالا-CERMOC، 2000)، التي تُجمع الباحثة فيها هذه المرحلة باعتبارها لحظة انتقال جبل عامل من مجتمع فقهي تقليدي مغلق إلى الانفتاح على الأفكار القومية والإصلاحية الحديثة.

 

قائمة المراجع العلمية

Ajami, Fouad. The Vanished Imam: Musa al Sadr and the Shia of Lebanon. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1986.

Norton, Augustus Richard. Amal and the Shi’a: Struggle for the Soul of Lebanon. Austin: University of Texas Press, 1987.

Norton, Augustus Richard. Hezbollah: A Short History. Princeton, NJ: Princeton University Press (Princeton Studies in Muslim Politics), editions 2007/2014/2018.

Abisaab, Rula Jurdi. Converting Persia: Religion and Power in the Safavid Empire. London: I.B. Tauris, 2004.

Mervin, Sabrina. Un réformisme chiite: ulémas et lettrés du Jabal ʿAmil (actuel Liban-Sud) de la fin de l’Empire ottoman à l’indépendance du Liban. Paris/Beirut: Karthala-CERMOC, 2000.

Chalabi, Tamara. The Shi’is of Jabal Amil and the New Lebanon: Community and Nation State, 1918–1943. New York: Palgrave Macmillan, 2006.

Harris, William. Lebanon: A History, 600–2011. Oxford: Oxford University Press, 2012.

Salibi, Kamal. Maronite Historians of Medieval Lebanon. Beirut: American University of Beirut, 1959.

Beydoun, Ahmad. Identité confessionnelle et temps social chez les historiens libanais contemporains. Beirut: Lebanese University Press, 1984.

إقرأ أيضًا:
من تاريخنا ـ كيف انتقل الشيعة من رفض لبنان الكبير الى رئاسة المجلس؟ (1)

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل