.jpg)
إذا سلّمنا جدلاً بنجاعة وفائدة “بديل” المفاوضات المباشرة التي تقوم بها الدولة اللبنانية انسجامًا وتطبيقًا لما تمليه عليها مسؤولياتها الوطنية والسيادية والدستورية والقانونية، والذي يقترحه “الحزب” ومؤيدوه ويتساهل معه مهادنوه بـ”مذكرة إسلام أباد”، كممر إجباري يحل محل “اتفاق الاطار”… وجب علينا أولًا تجريد الاقتراح من شوائب ما يدعّيه المحور لإيران من شرف تضمين مذكرة إسلام أباد بنودًا سيادية توقف إطلاق النار وتمنع الاعتداءات والتوغلات وتسحب الاحتلال الإسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية…
في قراءة للمذكرة المهلل لها عن “وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما في ذلك في لبنان”، نرى أن المذكرة تجعل من لبنان وجبهته ساحة من ساحات الصراع الإقليمي الإيراني الأميركي الإسرائيلي، ولا تنظر الى لبنان كدولة أو كيان أو حتى وطن بكافة تكويناته ومكوناته وعبارة “وبما في ذلك لبنان”، يعيدنا الى وحدة الساحات التي سقطت باعتراف “الحزب” وتأييده وتوقيعه في اتفاق السابع والعشرين من تشرين الثاني من العام 2024 والذي فصل المسار اللبناني عن معركة طوفان الأقصى بعد طول عناد وإسناد…
في قراءة في “المذكرة” البديلة لخيار الدولة اللبنانية التي يحاول فرضها “الحزب” على اللبنانيين مع مؤيديه و تخاذل مهادنيه، نقرأ عبارة تتعهد (أميركا وإيران) بضمان سلامة أراضي لبنان وسيادته. وهذا يرتب على الدولة الإيرانية وقف تدخلاتها في شؤون الدولة اللبناتية ومساعدتها على بسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية بقواها الرسمية الشرعية، كما يرتب عليها وقف دعمها المالي والأمني والعسكري لـ”الحزب” غير الشرعي الخارج عن القانون تمهيدًا لنزع سلاحه، كما يقتضي الدستور والقوانين اللبنانية والاتفاقات والقرارات الحكومية والدولية…
في الوقت الذي يعيب مقترحو الخروج من المفاوضات المباشرة لعلة الخيانة والانصياع للإرادة الخارجية، على “اتفاق الإطار” تضمنه بندًا يقترح آلية مراقبة تنفيذية تطبيقية للبنود السيادية، في حين أن المذكرة البديلة التي يحاول محور إيران في لينان فرضها على اللبنانيين، نقرأ خضوع الجمهورية الإيرانية لآلية تنفيذ مراقبة التطبيق في نزع الورقة الأقوى من أذرع إيران وسلاحها، أعني به الملف النووي إذ نصت المذكرة المرجوة البديلة على “آلية تنفيذ لمراقبة التطبيق… تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية” وإذا عدنا الى تصاريح المسؤولين الإيرانيين من المرشد الراحل الى بقية السلطة السياسية في مجلس الوزراء والنواب وقادة الحرس الثوري، نجد إذا صدقناها، أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية “واقعة تحت النفوذين الأميركي والإسرائيلي وتقدم تقاريرها الى مراكز الاستخبارات العاملة في الدولتين المذكورتين”.
هنا تجدر الإشارة الى أن إيران نفسها لم تدّع أن مذكرة إسلام أباد اتفاق نهائي، بل هي “بداية مفاوضات”، أي هي متأخرة عن ما يخوض غماره لبنان الرسمي بتأييد حكومي ومن أكثرية ممثلي شعبه في المجلس النيابي، في حين أن المذكرة معلقة على حل قضايا شائكة، أصعبها ملف أذرع إيران في المنطقة التي سمتها مذكرة إسلام أباد “حلفاء إيران”…
قد تكون النتيجة الأولية للمذكرة الموقعة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية بغياب المعنيين الأساسيين لبنان وإسرائيل، هي في استمرار الاعتداءات والتوغلات والاستهدافات، فهي لم توقف حربًا ولم تخفف اطلاقًا للنار، وطبعًا لم تذكر انسحابًا إسرائيليًا على عكس اتفاق الإطار المخوّن، ولم تحقق شبرًا منه والذي سيحققه اتفاق الإطار بالمناطق التجريبية كخطوة أولى فعلية للانسحاب.
قد يكون كذلك الخطاب الأميركي المتشدد حيال سلاح حزب إيران في لبنان بعد توقيع المذكرة، ورسائل مسؤولي الإدارة الأميركية الموجهة الى السياديين في الدولة وخارجها وإجراءات خزينة الدولة الأميركية العقابية بحق “الحزب” ومسؤوليه ومؤيديه ومسايريه، دلائل ملموسة على المسار الحتمي المرسوم لكيفية قيام الدولة الفعلية، حيث لا سلاح ولا مسلحين الا حصرًا بالدولة اللبنانية، جيشًا وقوى أمن داخلي وأمن عام وأمن دولة وجمارك وشرطة بلدية…
في المحصلة، لا يحتاج اللبناني الى تسويق “الحزب” للمذكرة ليكتشف ويتأكد بأن إيران لم تعر يومًا همها ولا اهتمامها لأمن اللبنانيين ولا لاستقرارهم ولا لسيادة دولتهم أو حتى قيامها أصلًا، كما أنها لن تعير اهتمامها أو تبذل أي جهد اليوم لتحرير أرض لبنان، التي احتلت بسبب قراراتها، بل كل ما أرادته وعملت وتعمل لأجله هو إبقاء لبنان ورقة للتفاوض والاقتراع عليه، على عكس ما تقوم به الدولة اللبنانية في مفاوضات واشنطن، منتزعة لبنان من براثن المحتل الإسرائيلي ومن تدخلات المستثمر الإيراني لدماء اللبنانيين بورقة سلاح “الحزب”.
.jpg)