#adsense

خاص –اندحار الوصاية الإيرانية.. حين تخاطب الدولة جيرانها (ليا-ماريا غانم)

حجم الخط

بعد اندحار الوصاية الإيرانية التي كُبِّل لبنان تحت ثقلها لسنوات طويلة، يظهر بوضوح أن الصورة التي سُوّقت عن بلد عاجز عن حماية نفسه أو إدارة علاقاته الخارجية لم تكن سوى ذريعة لإبقاء القرار الوطني رهينة السلاح والمحاور. فقد قيل للبنانيين يوماً إن أمنهم لا يتحقق إلا خارج مؤسساتهم، وإن السيادة تحتاج إلى قوة موازية للدولة، وإن العلاقة مع الجوار لا يمكن أن تُدار إلا عبر قنوات الأمر الواقع. لكن الوقائع بدأت تكشف العكس تماماً: لبنان قادر على الدفاع عن مصالحه حين تستعيد الدولة موقعها الطبيعي.

في هذا السياق، جاءت الزيارة الثانية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت لتتجاوز إطارها الدبلوماسي التقليدي. فالزيارة التي ترافقت مع إعلان إنشاء لجنة عليا لبنانية ـ سورية مشتركة للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني، حملت مؤشراً إلى إمكان بناء علاقة مختلفة بين البلدين، تقوم على التواصل الرسمي والتنسيق بين الحكومتين، لا على النفوذ الأمني ولا على فرض الإرادات.

أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في مضمون اللقاءات أو العناوين التي طُرحت، بل في الرسالة السياسية الأعمق التي حملتها: لبنان ليس بحاجة إلى وصيّ كي يتحدث مع دمشق، وليس مضطراً إلى أن يمرّ عبر أي تنظيم مسلح أو عاصمة خارجية لحماية حدوده أو معالجة الملفات المشتركة. الدولة اللبنانية، حين تتصرف كدولة، تستطيع أن تفتح قنوات الحوار، وأن تفاوض، وأن تضع المصالح الوطنية فوق حسابات المحاور.

لقد اعتادت الوصاية الإيرانية، عبر أذرعها المحلية، تصوير لبنان دولة ضعيفة لا تملك خياراً سوى الارتهان لمعادلات القوة الإقليمية. وكان سلاح “الحزب” يُقدَّم بوصفه ضمانة وحيدة في مواجهة الأخطار، فيما أدى عملياً إلى إضعاف الدولة، وتقييد قرارها، وتعطيل علاقاتها الطبيعية مع محيطها العربي والدولي. فالدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم لا تستطيع أن تكون شريكاً كاملاً في أي تفاهم أو مشروع استقرار.

أما اليوم، فتثبت التجربة أن استعادة الدولة لا تعني العزلة ولا التفريط بالحقوق، بل تعني القدرة على إقامة أفضل العلاقات مع الجيران من موقع الندية والاحترام المتبادل. وهذا ما ينبغي أن يشكل حجر الأساس للمرحلة المقبلة: علاقات لبنانية ـ سورية منظمة، ومعالجة هادئة للملفات الحدودية والاقتصادية والإنسانية، وتعاون لا يمسّ استقلال أي من البلدين.

إن زيارة الشيباني لا تختصر كل الطريق، لكنها تؤسس لفكرة بالغة الأهمية: لبنان يستطيع أن يكون دولة طبيعية، وأن يحمي سيادته بالدبلوماسية والمؤسسات، وأن يتعامل مع جيرانه من دون وصاية إيرانية، ومن دون سلاح يعلو على الدولة، ومن دون أي وسيط يختطف قراره الوطني.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل