.jpg)
محطتان شكلتا محور الأحداث في الساعات الأخيرة. زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت وجلسة مجلس الوزراء التي عقدت في السراي الحكومي ومن ضمن جدول أعمالها اتفاق الإطار الموقع بين لبنان وإسرائيل، واتفاقية اللجنة العليا مع سوريا.
في المحطة الأولى، تجاوزت زيارة الشيباني لبنان بعدها البروتوكولي، وأتت في سياق إعادة رسم العلاقة بين الدولة اللبنانية وسوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وفي ظل تحولات إقليمية متسارعة.
لقاءات وتأكيدات: لا تدخل سوريًا أمنيًا
في لقاءات الشيباني مع المسؤولين اللبنانيين، تركزت المحادثات على العلاقات الثنائية، والحدود، والملفات الأمنية والاقتصادية، ووضع المساجين السوريين، وسط تطمينات بعدم تدخل سوريا عسكريًا في لبنان، وهذا ما أكده رئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي اعتبر أن الزيارة تزيل المخاوف من وجود نية لدى الرئيس السوري أحمد الشرع بالتدخل بلبنان، وتؤكد عدم صحة ما اشيع، كما أن الشيباني لم يتردد في الإعلان عن إمكانية لقاء “الحزب” في المستقبل إذا كان هناك من مصلحة للبلدين في ذلك. وقد خلص الى توجيه دعوة رسمية للرئيس اللبناني لزيارة دمشق.
الشيباني ضيف معراب.. “ما بصح إلا الصحيح”
المحطة الأبرز في جولة الوزير السوري تمثلت بزيارة معراب ولقاء رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، وقد حمل اللقاء بين الرجلين دلالات سياسية عميقة، مكرّسًا اعتراف دمشق الجديدة بأن مرحلة الوصاية على لبنان أصبحت من الماضي. فالزيارة إلى معراب، بما تمثله من رمزية سيادية، تعكس إدراكًا سوريًا بأن بناء علاقة طبيعية مع لبنان يبدأ بالانفتاح على جميع مكوّناته السياسية، وفي مقدمها القوى التي دفعت أثمانًا باهظة في مواجهة النظام السوري السابق. ومن هذا المنطلق، شكّل اللقاء مؤشرًا إلى إمكان تأسيس علاقة جديدة بين البلدين، بعيدًا من منطق الهيمنة الذي طبع العقود الماضية.
جعجع في رسالة للشرع: لبنان سيد مستقل
رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، وفي دردشة مع الإعلام، أبدى تعاطفًا شديدًا مع الشعب السوري وإذ هنأه على سوريا الجديدة، لفت الى أن الأهم اليوم هو الاحترام المتبادل بين البلدين، معبّرًا عن فرحته بخلاص هذا الشعب من الجلجلة بسبب النظام الذي كان قائمًا.
وكشف جعجع عن أن رسالته الى الرئيس الشرع اقتصرت على ضرورة الاستمرار بالسير بالسياسة نفسها المتبعة اليوم مع لبنان، كبلد سيد، حر، مستقل.
دمشق تعترف: زمن الوصاية انتهى
مصادر سياسية مطلعة قرأت في تفاصيل الزيارة، واعتبرت أنها ليست مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل تحمل رمزية كبيرة، وتعكس انتقال العلاقات اللبنانية – السورية من مرحلة كانت دمشق فيها صاحبة القرار في لبنان إلى مرحلة جديدة يسعى فيها الطرفان إلى تأسيس علاقات ندية تقوم على الاحترام المتبادل والسيادة الكاملة.
وتوقفت المصادر عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، عند الخطاب الرسمي اللبناني الذي ركّز على مبدأ “الاحترام المتبادل” وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما يشكل تحولًا عن عقود من العلاقة غير المتوازنة بين البلدين، لافتة الى أن القيادة السورية الجديدة تدرك أن نجاحها في تثبيت شرعيتها الدولية يبدأ من حسن إدارة علاقاتها مع الجوار، ولبنان يأتي في مقدمة هذه الأولويات. فملفات الحدود، والتهريب، وعودة النازحين، والتعاون الاقتصادي، والمخفيين اللبنانيين في سوريا وإطلاق المساجين السوريين لا يمكن فصلها عن مشروع إعادة إدماج سوريا في محيطها العربي، ومن هنا، تبدو الزيارة جزءًا من سياسة سورية جديدة تقوم على الدبلوماسية بدل النفوذ الأمني.
ولفتت المصادر الى أن لدى لبنان فرصة لإعادة صياغة علاقته مع دمشق على أسس طالما طالب بها اللبنانيون، مشددة على أن نجاح بيروت ودمشق في تحويل هذه الزيارة إلى مسار مؤسساتي ثابت، قد يؤسس لعلاقة مختلفة تمامًا عن تلك التي حكمت البلدين خلال العقود الماضية: علاقة بين دولتين، لا بين نظام ووصاية، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا على موازين القوة أو النفوذ. أما إذا بقيت الزيارة في إطار الرمزية السياسية، وهو أمر مستبعد، فستظل مجرد محطة بروتوكولية في تاريخ طويل من العلاقات المتقلبة بين البلدين.
بين دمشق والجنوب.. اختبار السيادة في مجلس الوزراء
على وقع التطورات المتسارعة، عقد مجلس الوزراء جلسته وسط تقاطع ملفات داخلية وإقليمية دقيقة، ما منح جدول الأعمال أبعادًا تجاوزت الطابع الإداري إلى رسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة. واكتسب مشروع الاتفاقية مع سوريا لإنشاء اللجنة العليا اللبنانية – السورية المشتركة، التي أقرّها المجلس، أهمية خاصة، إذ أتى تزامنًا مع زيارة الشيباني، وسط توجه رسمي لإعادة تنظيم العلاقات بين بيروت ودمشق عبر مؤسسات الدولة، بدل القنوات السياسية والأمنية التي حكمت العلاقة لعقود. ومن المتوقع أن تتولى هذه اللجنة متابعة ملفات الحدود، والمعابر، والنازحين، والتعاون الاقتصادي، بما يفتح الباب أمام مقاربة جديدة قائمة على الندية واحترام سيادة البلدين.
أما البند المتعلق بالتطورات السياسية والأمنية والإنسانية، فقد أتي في ظل استمرار الضغوط الدولية لتثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب، ومواصلة البحث في آليات حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية.
وأتى البحث في اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، والذي يرفضه الثنائي، في سياق المساعي الدولية لترجمة وقف الأعمال العدائية إلى ترتيبات أكثر استقرارًا على الحدود الجنوبية. ويُنظر إلى هذا الملف على أنه جزء من مسار أوسع يهدف إلى تثبيت الأمن، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من النقاط المتنازع عليها، وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سلطتها الكاملة جنوبًا، بما ينسجم مع القرارات الدولية ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الاستقرار وتعزيز دور الدولة.
عون: التفاوض ليس خيانة
رئيس الجمهورية جوزيف عون، أكد قبيل جلسة مجلس الوزراء أن التفاوض هو الخيار الأكثر أمانًا والأقل كلفة للبنان بعد الخسائر التي تكبدها، جازمًا بأن المفاوضات ليست خيانة، بل هي حرب دبلوماسية من دون دماء، كما دعا الجميع إلى احترام قرار الدولة في هذا السياق.
بري يعيد السلاح إلى الواجهة
على الرغم من اعتراض الثنائي على كل المسار التفاوضي الرسمي للدولة اللبنانية، أكمل رئيس مجلس النواب نبيه بري الضرب حينًا على الحافر وأحيانًا على المسمار، إذ أكد اليوم أن الدولة يجب أن تكون المرجعية الوحيدة للسلاح وأن “الحزب” مستعد للانسحاب من جنوب الليطاني بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي كامل.