.jpg)
تدريجياً، يواصل لبنان الدولة والشرعية مسيرته السيادية في هذه المرحلة الحاسمة من فك الارتباط الاستراتيجي مع الإملاءات الإقليمية، إذ تصطدم محاولات “الحزب الإيراني” المستميتة لإبقاء لبنان ورقة تفاوضية بيد طهران بـ”حائط صد سيادي” فرضته الشرعية اللبنانية، مدعومةً برؤية دولية وعربية وخصوصاً أميركية واضحة؛ تهدف إلى مساعدة لبنان على إنهاء حقبة مصادرة القرار الوطني والقبض على مفاصل الدولة، ورهن لبنان وشعبه لمغامرات ومصالح المحاور الممانعاتية عبر أدواتها الميليشياوية، وآخرها المحور الإيراني وأداته المحلية الحزب المحظور.
الحسم الرئاسي: خطوط حمراء بوجه الوصاية والفتنة
في هذا السياق، جاءت مواقف رئيس الجمهورية جوزيف عون خلال عطلة الأسبوع المنصرم، والتي رأت مصادر سياسية بارزة عبر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أنها تضع النقاط على الحروف، قاطعةً الطريق على أي محاولة للالتفاف على “اتفاق الإطار الثلاثي” الموقع في واشنطن بين لبنان وإسرائيل برعاية ومتابعة أميركية؛ وهو حسم بأن “صيغة الإطار لا تشرّع بقاء الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، بل تنص على تمكين الجيش اللبناني لبسط سيطرته على كامل الأراضي اللبنانية”.
وترى المصادر، أن مواقف الرئيس عون المتلاحقة وكذلك مواقف رئيس الحكومة نواف سلام في السياق ذاته، تؤكد درجة التنسيف العالية بينهما وأنهما لن يتراجعا أمام “وقاحة الحزب” وحملاته، وأن “قرار استعادة الدولة محسوم، ومن لا يعجبه فهذه مشكلته وليتعايش معها”.
وتشدد المصادر، على الرسالة شديدة اللهجة التي وجّهها عون إلى المحور الإيراني وأدواته المحلية، إذ قال: “قرارنا السيادي بفصل مسارنا عن المسار الإيراني- الأميركي هو مشكلة البعض الذي اعتاد على أن يكون تحت وصاية تتحكم بنا وتقرر عنا وتفاوض علينا”، محذراً من أن “هناك خطوطاً حمراء لا يجوز تجاوزها كالسعي إلى الفتنة أو إسقاط الحكومة في الشارع”، ومعتبراً أن “القوة ليست في القدرة على خوض الحرب، بل بشجاعة إنهائها من خلال التفاوض الذي هو معركة من دون إراقة دماء”، وجازماً بأن “الجيش سوف يتحمل مسؤولياته كاملة في تحقيق الأمن والاستقرار في الجنوب بعد انسحاب القوات الإسرائيلية”.
“ما بين سطور” رسالة التهنئة من عون إلى ترامب
وفي سياق متصل، تشير مصادر سياسية مقربة من دوائر رسمية، إلى أن هذا الحسم السياسي واكبته دلالات برقية التهنئة الرفيعة المستوى التي وجّهها الرئيس عون إلى نظيره الأميركي دونالد ترامب، بمناسبة اليوبيل الـ 250 لاستقلال الولايات المتحدة، والتي أشاد فيها بـ”سعي ترامب الدؤوب لإعادة الاستقرار والأمن إلى الشرق الأوسط ولبنان”، داعياً إياه للاستمرار في الوقوف إلى جانب الجيش اللبناني واللبنانيين لطي صفحة المآسي وفتح صفحة السلام، لافتة إلى أن أهمية الرسالة “وما بين سطورها” أنها تأتي قبيل الزيارة المنتظرة والبالغة الأهمية للرئيس عون إلى الولايات المتحدة تلبية لدعوة الرئيس ترامب، وكل التوقعات والمعلومات تؤكد أنها ستكون مفصلية لرسم معالم المرحلة المقبلة.
تل أبيب والميدان: رسائل النار من فوق أنفاق الشقيف
بالتوازي مع الحراك الدبلوماسي، تشهد الجبهة الميدانية حراكاً عسكرياً واستخباراتياً مكثفاً؛ إذ نقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفيه القاطع لوجود أي قيود أو “فيتو” من الرئيس ترامب بشأن توجيه ضربات أو عمليات عسكرية محددة في لبنان.
تل أبيب ترجمت هذا التوجه ميدانياً بجولة مباغتة لرئيس الأركان الإسرائيلي، الجنرال إيال زامير، في مرتفعات قلعة الشقيف الحاكمة داخل الأراضي اللبنانية، حيث ظهر زامير فوق المنشآت والأنفاق التي أقامها الحزب المحظور بتمويل وتوجيه إيراني على مدى عقود. زامير حاول رمي الكرة في ملعب الدولة اللبنانية قائلاً إنه “يجب على الجيش اللبناني الوفاء بالتزاماته والعمل على تطهير المنطقة من عناصر الحزب”، مهدداً بأن قواته على أهبة الاستعداد للانتقال إلى هجوم سريع إذا جرى انتهاك وقف إطلاق النار، ومعتبراً أن الحزب “منهك ومُني بالهزيمة”.
في واشنطن.. اهتمام شديد بإنجاح “المناطق التجريبية”
هذه المعطيات تتقاطع مع الأجواء الدبلوماسية في واشنطن. فبحسب مصادر مقربة من دوائر الإدارة الأميركية لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إن فلسفة إدارة ترامب تقوم بالأساس على إنجاح تجربة “المناطق التجريبية” (Pilot Zones)؛ بحيث تلتزم إسرائيل بالانسحاب التدريجي، ليتسلم الجيش اللبناني زمام المبادرة على الأرض ويقوم بحسم عسكري وأمني كامل لإنهاء أي مظاهر مسلحة وتفكيك البنية التحتية للحزب وسائر الميليشيات المسلحة غي الشرعية، تأكيداً على أن الدولة هي المرجعية الوحيدة، لافتة إلى أن الجيش اللبناني سيتلقى مساعدات عسكرية أميركية في وقت قريب، ما يعكس جدية واشنطن في هذا السياق.
مربع النكران: “المعزوفة المملة” وعقدة السقوط
أمام هذا المشهد المتكامل بين حسم الشرعية مدعومة بغالبية نيابية وحكومية وشعبية حاسمة وضغوط الميدان وتخطيط واشنطن، بدت المواقف الصادرة عن نواب الحزب المحظور طوال أيام “الويك أند” وكأنهم يعيشون في عالم آخر من الانفصام السياسي. وترى مصادر سياسية متابعة عبر موقع “القوات”، أن هذه المواقف والخطابات “جاءت كمعزوفة مملة وخشبية، تجترّ لغة التخوين والتهديد والوعيد الفارغ للدولة والشرعية وللّبنانيين ورفض المسار اللبناني المستقل للتفاوض والاتفاق الإطاري، لأنه ينزع لبنان من براثن طهران وليّة أمرهم ونعمتهم”.
وتؤكد المصادر، أن هجوم الحزب المحظور العنيف يعكس حالة “الصدمة والضياع وعقدة النكران” لمتغيرات استراتيجية كبرى لم يعد قادراً على مواكبتها أو التكيف معها؛ إذ يدرك “الحزب” في قرارة نفسه أن حقبة مصادرته للقرار اللبناني واتخاذ البلد كرهينة لإيران قد انتهت بلا رجعة، وأن الاصطدام بـ”حائط الصد السيادي” أصبح أمراً واقعاً لا يمكن الهروب منه.